في خطوة تكشف التزام المقاومة الفلسطينية بوعودها رغم المماطلة الإسرائيلية، سلَّمت المقاومة فجر الخميس جثث أربعة أسرى إسرائيليين للصليب الأحمر الدولي، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. 

وجرت عملية التسليم في مدينة خانيونس، وفقاً لنقطة حددتها المقاومة بعيداً عن وسائل الإعلام، في تأكيد على التزامها بالاتفاق، دون الانجرار وراء ألاعيب الاحتلال السياسية.

وبحسب مصادر مطلعة، فقد توجهت سيارات الصليب الأحمر بعد تسلُّم الجثامين إلى معبر كرم أبو سالم، حيث تم تسليمها لجيش الاحتلال، الذي بدأ في تشخيص الجثث. 

ورغم أن الصفقة كانت واضحة المعالم، فإن الاحتلال الإسرائيلي واصل محاولاته لتعطيلها، كما برز في تصريحات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي سعى لإفشال الاتفاق عبر حجج واهية تتعلق بالمراسم المصاحبة لعملية التسليم.

نتنياهو بين الضغوط السياسية والمماطلة المستمرة

لم يكن تأخير الاحتلال لتنفيذ التزاماته أمراً جديداً، حيث عمدت حكومة نتنياهو إلى عرقلة الصفقة في أكثر من مرحلة، مستخدمة ذرائع واهية لإطالة أمد معاناة الأسرى الفلسطينيين. 

ففي الدفعة السابعة، كان يفترض أن يفرج الاحتلال عن 620 أسيراً فلسطينياً، إلا أن نتنياهو عرقل تنفيذها بذريعة الاحتجاج على “مراسم الاحتفال” التي نظمتها حركة حماس عند تسليم الأسرى الإسرائيليين.

وقد جاء تدخل الوساطة حاسماً في إعادة الضغط على الاحتلال للالتزام بالصفقة، ما أجبر حكومة نتنياهو على المضي قدماً في تنفيذ الجزء المتفق عليه، بعد مماطلة كادت أن تنسف الاتفاق.

إلا أن موقف حماس كان واضحاً وحازماً، إذ شددت على ضرورة التزام الاحتلال بتعهداته دون انتقائية أو مماطلة، وفرضت التزامن بين تسليم جثث الأسرى الإسرائيليين وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين.

 

صفقة “طوفان الأقصى

يُعدُّ اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير الماضي، اتفاقاً متعدّد المراحل، يتضمن إطلاق سراح 33 أسيراً إسرائيلياً (أحياء وأمواتاً) مقابل إفراج الاحتلال عن 1135 أسيراً فلسطينياً. 

وقد نفَّذت المقاومة التزاماتها في 7 دفعات، تضمنت الإفراج عن 25 أسيراً إسرائيلياً أحياءً، إضافة إلى 4 جثامين، في مقابل إطلاق الاحتلال دفعات من الأسرى الفلسطينيين.

إلا أن سياسة الاحتلال، التي لطالما اتسمت بالمماطلة، برزت في تأجيل الدفعة السابعة، حين قررت حكومة نتنياهو تعليق الإفراج عن 620 أسيراً فلسطينياً، بحجة “عدم القبول بالمراسم التي تنظمها حماس”. لكن مع تصاعد الضغط الدولي، وتدخل الوسطاء، اضطرت حكومة الاحتلال إلى الالتزام بالاتفاق، حيث أُفرج عن الأسرى الفلسطينيين بالتزامن مع تسليم المقاومة جثث الأسرى الإسرائيليين الأربعة.

 

الأسرى الفلسطينيون يعانقون الحرية رغم تعنت الاحتلال

وبينما يحاول الاحتلال الالتفاف على الاتفاق، كان الشعب الفلسطيني يحتفل بعودة أسراه، رغم قسوة الظروف التي مروا بها في سجون الاحتلال. 

فقد أفرجت قوات الاحتلال عن 445 أسيراً فلسطينياً من غزة، إضافة إلى 37 أسيراً إلى الضفة الغربية، في حين تم ترحيل 97 أسيراً إلى خارج فلسطين، كما تتجلى نازية الاحتلال في إجبار الأسرى على ارتداء ملابس تحمل شعارات نازية والذين قاموا بتمزيقها بمجرد خروجهم من الأسر. 

وفي مشهد يحمل دلالات قوية على فشل الاحتلال في كسر إرادة المقاومة، شهدت شوارع غزة والضفة الغربية احتفالات عارمة، متحديةً الإجراءات القمعية التي حاول الاحتلال فرضها لمنع هذه المشاهد من الوصول إلى الإعلام.

 

محاولات الاحتلال لكسب الوقت والتملص من التزاماته

ورغم الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، فإن الاحتلال لا يزال يماطل في تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، التي كان يفترض أن تبدأ في 3 فبراير الجاري. 

تشير التقارير إلى أن نتنياهو يحاول إرضاء حزب “الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش، من خلال تجميد الانتقال إلى المرحلة الثانية، وذلك في محاولة للحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي.

وفي ظل هذا التلاعب الإسرائيلي، جاء رد حركة حماس واضحاً، إذ أكدت أن الاحتلال لن يكون قادراً على التهرب من تنفيذ الاتفاق، وأن السبيل الوحيد للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين المتبقين في غزة هو الالتزام بما تم التوافق عليه.

كما دعت الحركة الوسطاء الدوليين لمواصلة الضغط على الاحتلال، محذرة من تداعيات أي تراجع عن الاتفاق.

 

ما بين الالتزام والمراوغة: أي مستقبل للاتفاق؟

بينما تسعى المقاومة الفلسطينية إلى تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وفق شروطه المعلنة، يواصل الاحتلال الإسرائيلي محاولاته لتعطيله، سواء من خلال تأخير تنفيذ بنوده، أو باستخدام ذرائع سياسية لربح الوقت. 

ومع استمرار الضغوط الدولية، بات واضحاً أن حكومة نتنياهو تجد نفسها أمام معادلة صعبة، حيث لا تستطيع التراجع عن الاتفاق دون تكبّد خسائر سياسية، في الوقت الذي تواجه فيه انتقادات داخلية من اليمين المتطرف الرافض لأي صفقة مع المقاومة.

لكن الواقع على الأرض يؤكد أن المقاومة الفلسطينية فرضت نفسها كلاعب رئيسي في أي مفاوضات تتعلق بالأسرى، وأظهرت أنها تملك أوراق قوة تستطيع استخدامها لانتزاع حقوق الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال، وهو ما يُعد انتصاراً جديداً في معركة الإرادة والصمود.

 

اقرأ أيضًا : تحطم الطائرة السودانية: هل تقف الإمارات وراء الكارثة؟