في لحظة تُجسد ما تبقّى من صمود غزة رغم شهور الإبادة، أعلنت وسائل إعلام العدو مساء اليوم عن إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين بجروح “خطيرة وحرجة” عقب استهداف دبابة “النمر” شرقي رفح، بعد أن تمكن أحد مقاتلي المقاومة من تنفيذ عملية دقيقة، زرع خلالها عبوة ناسفة ملاصقة لهيكل الدبابة قبل أن ينسحب بسلام إلى شبكة الأنفاق التي ما تزال تشكّل الكابوس الأكبر للاحتلال في المدينة المحاصرة. وبينما يحاول إعلام العدو التخفيف من وقع الضربة، تتكشف مجددًا حقيقة عجزه عن حسم المعركة في رفح، رغم كل حجم النار والدمار الذي يسكبه يوميًا على القطاع.

عملية جريئة أربكت المنظومة العسكرية والإعلامية

وفق روايات المراسلين العسكريين الإسرائيليين، جرى الاستهداف في منطقة تُعدّ “مؤمنة بالكامل” عبر وحدات استطلاع ووحدات هندسية كانت تمشط المكان، ما يجعل وصول المقاوم إلى الدبابة، ووضع العبوة مباشرة عليها، ضربة قاصمة لمنظومة “الوعي الأمني” التي يتفاخر بها الجيش الإسرائيلي في رفح. العملية حملت رسالتين واضحتين: المقاومة ما زالت في الميدان، والأنفاق لم تُدمّر، والقوات الإسرائيلية عاجزة عن فرض سيطرة حقيقية حتى على المناطق التي أعلنتها “مطهّرة”.

إعلام الاحتلال حاول بدايةً الحديث عن إصابة “طفيفة” لجنود الدبابة، قبل أن يتراجع لاحقًا ويعترف بأن الإصابات ثلاث وجميعها “خطيرة وحرجة”، وهو ما يعكس ارتباكًا معتادًا في معالجة الأخبار الصادمة للرأي العام، خاصة حين تحدث في رفح التي وعدت حكومة نتنياهو بأنها ستكون المعركة “الأخيرة” التي ستُسقط حماس.

رفح.. المدينة المحاصرة التي ترفض الخضوع

منذ أكثر من سبعة أشهر والاحتلال يفرض حصارًا خانقًا على رفح، محولًا المدينة الصغيرة إلى مسرح قتال مستمر، يحاول من خلاله تفكيك ما تبقى من القوة العسكرية للمقاومة. اجتياح، قصف جوي مكثف، دمار هائل، وتجريف شوارع بأكملها، ومع ذلك، لم ينجح الاحتلال حتى اللحظة في القضاء على قدرات المقاومة تحت الأرض أو فوقها.

العملية الأخيرة تؤكد أن ما يسميه الاحتلال “إنجازات” في رفح لا تتجاوز السيطرة المؤقتة على بعض النقاط، بينما تبقى خطوط المقاومة تعمل بكفاءة، من الرصد والمتابعة إلى استدراج الجنود والآليات واستهدافها عبر العبوات والصواريخ.

المقاتل الذي وضع العبوة تحت أنف الدبابة، وعاد سالمًا إلى النفق، يمثل نموذجًا لما تصفه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بـ”المقاتل الشبح”، الذي يختفي تحت الأرض ليعود ويضرب ثم يختفي من جديد، ما يجعل أي ادعاء إسرائيلي عن “تدمير منظومة الأنفاق” حديثًا للاستهلاك الإعلامي أكثر منه واقعًا على الأرض.

إعلام العدو يتهرب.. والمجتمع الإسرائيلي يعيش الصدمة

إعلام الاحتلال التقليدي والرقمي عاش الساعات الأخيرة في حالة تناقض واضحة. بعض المراسلين اعترفوا بأن ما جرى “اختراق أمني خطير”، بينما حاول آخرون التشويش على التفاصيل، إما بالحديث عن “انفجار عرضي” أو “عبوة ألقيت من مسافة بعيدة”، في محاولة للتقليل من احتكاك المقاوم المباشر مع الدبابة.

لكنّ تزامن العملية مع حالة الضغط الشعبي المتصاعدة على حكومة نتنياهو يزيد من حساسية الموقف. فالمجتمع الإسرائيلي يواجه سؤالًا بات يتكرر: إذا كانت رفح — التي تحولت إلى كومة ركام — ما زالت تنتج عمليات من هذا النوع، فأين هو “النصر” الذي وعدت به الحكومة؟ وإذا كان الجيش عاجزًا عن منع مقاتل واحد من الوصول إلى دبابة محصّنة بمحيط أمني واسع، فكيف سيواجه تهديدات أكبر في الشمال أو في الضفة؟

المقاومة بين الحصار والإصرار

بالرغم من الحصار الخانق، القصف المستمر، فقدان الإمدادات، واستشهاد عدد كبير من القادة والمقاتلين، تُظهر المقاومة في غزة — ورفح تحديدًا — أنها لم تفقد زمام المبادرة بالكامل. العملية الأخيرة ليست مجرد ضربة تكتيكية، بل رسالة استراتيجية: لا انهيار، لا استسلام، ولا نهاية وشيكة للمعركة كما يروّج الاحتلال.

المعلومات الواردة تؤكد أن خلايا المقاومة لا تزال تتحرك بين الأنفاق والبيوت المدمرة، وتعيد التموضع، وتنتظر اللحظة المناسبة للضرب. ومع كل عملية استهداف لآلية أو إصابة لجنود، تتآكل رواية الاحتلال التي تقول إنه “يمسك بزمام المبادرة”.

دلالات العملية: رفح لم تُحسَم

يمكن تلخيص دلالات العملية في ثلاث نقاط رئيسية:

أولًا: فشل استخباري إسرائيلي جديد
الدبابة كانت ضمن قوة محمية بمشاة ومراقبة جوية. وصول المقاوم إليها يعني اختراقًا استخباريًا مزدوجًا: فشل في الرصد وفشل في تقدير حجم انتشار المقاومة.

ثانيًا: الأنفاق ما زالت فعّالة
انسحاب المقاوم إلى النفق يعكس استمرار الجغرافيا القتالية التي حاول الاحتلال تدميرها طوال أشهر، دون نتيجة حاسمة.

ثالثًا: انهيار رواية “رفح الحسم”
إذا كانت هذه هي الظروف بعد السيطرة الظاهرية، فإن أي حديث عن إنهاء وجود المقاومة في رفح لا يعدو كونه دعاية سياسية نتنياهو بها للساحة الإسرائيلية.

خاتمة

العملية الأخيرة، رغم كونها جزءًا من معركة طويلة ومعقّدة، تعيد رسم المشهد في رفح: الاحتلال يحاصر، يدمر، يجرف، لكنه لا يحسم. والمقاومة، رغم الجراح، ما زالت قادرة على الضرب وإيلام الجيش الأكثر تسليحًا في المنطقة. وبين إعلام يحاول إخفاء الحقائق، ورواية مقاومة تفرض نفسها بالدم، يبدو أن رفح ستبقى عنوانًا لمعركة لم تنتهِ بعد — معركة يتراجع فيها الاحتلال خطوة بعد أخرى، كلما خرج مقاتل من تحت الأرض ليضع عبوة، ثم يعود ليحتمي بظلام النفق، تاركًا خلفه صدمة جديدة في منظومة العدو العسكري والإعلامي.