بقلم : حمدي مطاوي
خرج الأسير الفلسطيني باسم خندقجي من خلف القضبان بعد 21 عامًا من الاعتقال، حاملاً معه تجربة إنسانية وأدبية استثنائية جعلته أحد أبرز رموز الإبداع في السجون الإسرائيلية. فخندقجي، الذي تحرر ضمن صفقة تبادل الأسرى بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي، هو الكاتب الذي انتصر على القيد بالكلمة، وحقق إنجازًا عربيًا غير مسبوق بفوزه عام 2024 بـالجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” عن روايته «قناع بلون السماء»، رغم أنه كتبها داخل زنزانته الضيقة.

من الزنزانة إلى الحرية
أُفرج عن باسم خندقجي الاثنين الماضي ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والذي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري. وذكرت وكالة الأناضول أن خندقجي كان من بين المبعدين إلى مصر، بموجب الصفقة التي تضمنت إطلاق سراح 1968 أسيرًا فلسطينيًا، بينهم 250 محكومًا بالمؤبد و154 مبعدًا إلى الخارج، إضافة إلى 1718 أسيرًا من غزة اعتُقلوا بعد الحرب الأخيرة.
وجاء الإفراج عن هؤلاء الأسرى عقب إعلان كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، إطلاق سراح 20 أسيرًا إسرائيليًا أحياء من غزة، بينما تحتفظ تل أبيب بجثامين 28 أسيرًا آخرين، تسلمت منها أربعة فقط. ووفق تقارير حقوقية، لا يزال أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، بينهم أطفال ونساء، يعانون من ظروف إنسانية قاسية تشمل التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، ما أدى إلى وفاة عدد منهم.
سيرة من نضالٍ ووعيٍ فكري
وُلد باسم خندقجي في مدينة نابلس عام 1983، ودرس الصحافة والإعلام في جامعة النجاح الوطنية، لكن مسيرته الدراسية توقفت عام 2004 حين اعتقلته قوات الاحتلال في سن الحادية والعشرين. جاء الاعتقال على خلفية عملية تفجير في سوق الكرمل بتل أبيب في نوفمبر من العام ذاته، أسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وجرح أكثر من خمسين، وتبنتها آنذاك حركة فتح.
اتهم الاحتلال خندقجي بالمشاركة في العملية، فحُكم عليه بثلاثة مؤبدات وغرامة مالية بلغت 11.6 مليون دولار كتعويض لعائلات الضحايا. لكن السجن لم يطفئ شغفه بالمعرفة، فخلال سنوات اعتقاله التحق بجامعة القدس المفتوحة، وحصل على بكالوريوس في العلوم السياسية. كما انخرط في النشاط الفكري داخل الأسر، مؤمنًا بأن الكلمة هي جبهة نضال موازية للبندقية.
في بداياته الفكرية، انضم خندقجي إلى حزب الشعب الفلسطيني (الاشتراكي)، الذي تأسس عام 1982، وظل يعبر في كتاباته عن قيم اليسار، والحرية، والمقاومة ضد الاستعمار والظلم، مستلهمًا من تجربة السجن فلسفة للكتابة تقوم على الوعي الجمعي والكرامة الإنسانية.
إبداع من خلف القضبان
تحوّل خندقجي في العقدين الأخيرين إلى رمز لأدب السجون الفلسطيني، وبرز اسمه كواحد من أهم الأصوات الأدبية الجديدة في العالم العربي. كتب عشرات المقالات والدواوين والروايات التي التقطت تفاصيل الحياة اليومية في الزنازين، وصاغ من المعاناة لغةً جمالية تحاكي الحرية في أكثر صورها تعقيدًا.
من أبرز مؤلفاته:
-
«مسودات عاشق وطن» و*«وهكذا تحتضر الإنسانية»* (مجموعتان من المقالات الفكرية).
-
«طرق على جدران المكان» و*«شبق الورد أكليل العدم»* (دواوين شعرية).
-
«مسك الكفاية» و*«سيرة سيدة الظلال الحرة»* و*«نرجس العزلة»* و*«خسوف بدر الدين»* (روايات روائية وسردية متكاملة).
لكن روايته الأبرز كانت «قناع بلون السماء»، الصادرة عن دار الآداب عام 2022، والتي فازت بـجائزة البوكر العربية لعام 2024. الرواية كُتبت داخل المعتقل، واعتُبرت وثيقة أدبية عن الإنسان المقموع الذي يواجه السجن بالخيال، إذ مزج فيها خندقجي بين الأسطورة والواقع، وبين الحلم والقيود، ليجعل من زنزانته فضاءً روحيًا تتنفس فيه الكلمة بديلاً عن الهواء.
رمز ثقافي ومقاوم إنساني
تحوّل خندقجي بعد فوزه إلى رمز للمقاومة الثقافية، ليس في فلسطين فحسب، بل في العالم العربي بأسره. إذ أثبت أن الإبداع يمكن أن يزدهر حتى في أحلك الظروف، وأن الحرية الحقيقية هي حرية الوعي. وقد شبّه نقاد عرب تجربته بتجارب نيلسون مانديلا وغسان كنفاني، من حيث المزج بين النضال السياسي والإنتاج الأدبي ذي البعد الإنساني.
وخلال مراسم الإعلان عن فوزه بـ”البوكر”، قالت لجنة التحكيم إن روايته «تنتصر للإنسان رغم القيد، وتعيد تعريف معنى الحرية من داخل السجن». وقد تلقى خندقجي الخبر داخل المعتقل، حيث نظم الأسرى احتفالية رمزية له، رفعت خلالها لافتات كتب عليها: “الأدب ينتصر على السجان”.
التحرير والرمزية السياسية
تحرير باسم خندقجي ضمن صفقة المقاومة الفلسطينية لم يكن مجرد حدث إنساني أو تبادل للأسرى، بل حمل رمزية سياسية وثقافية عميقة. فالرجل الذي سُجن في ذروة انتفاضة الأقصى، وكتب داخل الزنزانة عن الحرية، خرج اليوم إلى فضاء عربي يشهد ميلاد مرحلة جديدة عنوانها الكرامة والتحرر.
وفي اليوم نفسه الذي خرج فيه خندقجي إلى الحرية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء المرحلة الثانية من خطته لوقف إطلاق النار في غزة، مشيدًا بـ”التقدم الهائل” في جهود السلام بعد قمة شرم الشيخ. لكن مشهد الإفراج عن مبدعٍ سُجن لعقود بسبب مقاومته، كان أكثر تعبيرًا عن جوهر القضية الفلسطينية من أي قمة سياسية.
ما بعد الحرية
اليوم، باسم خندقجي ليس مجرد أسير محرر، بل شاهد على قدرة الإنسان الفلسطيني على تحويل الألم إلى إبداع. خرج من السجن بجائزة أدبية عالمية، وبحكاية تلخص معاناة شعب كامل. وبينما تستمر المأساة في غزة والضفة الغربية، يمثل خندقجي نموذجًا للأمل وسط الركام، ورسالة تقول إن القيد قد يكسر الجسد، لكنه لا يستطيع أسر الروح ولا الكلمة.
اقرأ أيضًا : من دون وجود المقـ.ـاومة.. قمة شرم الشيخ تُوقّع “وثيقة اتفاق غزة”