جدّدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تأكيدها التزامها الكامل باتفاق شرم الشيخ الذي وُقّع في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، برعاية أميركية ووساطة قطرية وتركية ومصرية، معتبرة أن ما صدر عنها منذ توقيع الاتفاق يعكس حرصها الصادق على إنجاح وقف إطلاق النار وتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني.
وقالت الحركة في بيانها إنّها التزمت “التزامًا أمينًا ودقيقًا” بكل بنود الاتفاق نصًا وروحًا، ولم يصدر عن الوسطاء أي دليل على خرقها، في حين قدّمت الحركة للوسطاء تقارير موثقة بالصور والأدلة تُثبت أن الاحتلال الإسرائيلي هو الطرف الذي ينسف الاتفاق عبر سلسلة من الانتهاكات اليومية.
وتشير حماس إلى أن هذه الخروقات لا تهدد فقط استقرار الهدنة، بل تكشف –بحسب تعبيرها– “نية مبيتة لإفشال أي مسار سياسي يخفف المعاناة عن غزة”، محمّلة إسرائيل المسؤولية الكاملة عن أي تدهور أمني أو إنساني قادم، وداعية الأطراف الراعية إلى التدخل العاجل لإلزام الاحتلال بوقف تجاوزاته.

انتهاكات موثقة: من القتل إلى تجويع السكان
تضمّن البيان تفصيلاً دقيقًا لخروقات الاحتلال التي بدأت –وفق حماس– منذ اليوم الأول لسريان الاتفاق، حيث وثّقت المقاومة استشهاد 46 مدنيًا وإصابة أكثر من 130 آخرين نتيجة إطلاق النار المتعمّد في المناطق المسموح فيها بالحركة، إلى جانب استمرار الجيش الإسرائيلي في السيطرة على مناطق تمتد جنوبًا وشرقًا وشمالًا داخل القطاع، متجاوزًا حدود “الخط الأصفر” الذي نص عليه الاتفاق كمنطقة انسحاب مؤقت.
وبحسب البيان، تبلغ مساحة هذه المنطقة نحو 45 كيلومترًا مربعًا، وتخضع حتى اللحظة لقصف مدفعي ورصد جوي مستمر من طائرات “كوادكابتر” وآليات المراقبة، ما حرم آلاف الفلسطينيين من العودة إلى منازلهم.
أما على الصعيد الإنساني، فقد أشار بيان حماس إلى أن إسرائيل تجاهلت “البروتوكول الإنساني” الملحق بالاتفاق، الذي ينص على إدخال مساعدات كافية وفق تفاهمات يناير/كانون الثاني 2025. فبدلًا من 50 شاحنة وقود يوميًا، لم يدخل سوى 29 شاحنة وقود و3 شاحنات غاز خلال تسعة أيام، أي ما نسبته 7% فقط مما تم الاتفاق عليه. كما منعت سلطات الاحتلال إدخال اللحوم والدواجن والمواشي الحية، ورفضت السماح بدخول المواد الزراعية والطاقة الشمسية، وهو ما فاقم الأزمة المعيشية وأعاد مشاهد الطوابير الطويلة أمام المخابز ومراكز الإغاثة.
ويؤكد البيان أنّ إسرائيل أغلقت معبر “زيكيم” الذي يربط غزة بالمساعدات القادمة من الأردن، ما أوقف عشرات القوافل التي كان يُفترض أن تغطي احتياجات سكان شمال القطاع. ووفق تقديرات منظمات الإغاثة، فإن أكثر من 70% من سكان غزة لم يحصلوا بعد على المساعدات الغذائية أو الوقود اللازم لتشغيل المخابز والمولدات والمستشفيات.
عرقلة إعادة الإعمار والتنكيل بالمعتقلين والشهداء
لم تتوقف خروقات الاحتلال عند حدود المساعدات الإنسانية، بل امتدت –بحسب حماس– إلى تعطيل بنود الإعمار وإعادة تأهيل البنية التحتية، إذ ما زال الاحتلال يمنع إدخال المواد والمعدات الضرورية لتشغيل محطة الكهرباء وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، إلى جانب منع إدخال سيارات الإسعاف ومعدات الدفاع المدني. كما حرم البنوك من إدخال السيولة النقدية أو استبدال العملات البالية، مما تسبب في شلل مالي واسع داخل القطاع.
وفي ملف المعتقلين، اتهمت حماس الاحتلال بعدم الالتزام ببنود الإفراج عن النساء والأطفال، والتلكؤ في تزويدها بقوائم دقيقة للمعتقلين والشهداء المحتجزة جثامينهم. وأشارت إلى أنّ الأسرى المفرج عنهم تعرّضوا للضرب والإهانة حتى لحظة تسليمهم للصليب الأحمر، في خرق واضح للقانون الدولي الإنساني.
كما كشفت الحركة عن تسلّمها 150 جثمانًا لشهداء كانت على أجساد بعضهم علامات خنق وشنق وسحق تحت جنازير الآليات العسكرية، مؤكدة أنّ بعضهم أُعدم بعد أسره، وأن غالبية الجثامين لم يتم التعرّف على أصحابها بسبب تعمد الاحتلال إخفاء الهوية أو تشويه الملامح. وطالبت بإدخال أجهزة فحص الحمض النووي (DNA) للتعرف على الشهداء، ومعدات رفع الركام لاستخراج آلاف الجثامين التي ما زالت تحت الأنقاض.
دعوة للمحاسبة ومطالب بإلزام الاحتلال
اختتمت حماس بيانها بالتأكيد على تمسكها بالاتفاق وتنفيذه بمسؤولية، مطالبة الوسطاء والضامنين بالتحرك العاجل لإلزام إسرائيل باحترام التزاماتها ووقف الانتهاكات التي تهدد بتقويض الهدنة الهشة. وأكدت أن استمرار الاحتلال في التنكيل بالمدنيين ومنع المساعدات وإبقاء الحصار يشكل “انقلابًا صريحًا على اتفاق شرم الشيخ”، داعية المجتمع الدولي إلى التعامل مع هذه الانتهاكات باعتبارها جرائم حرب تستوجب المساءلة الدولية أمام المحكمة الجنائية.
ويرى مراقبون أن بيان حماس الأخير يمثل رسالة مزدوجة: من جهة يوجه تطمينًا للوسطاء بأن المقاومة لن تكون سببًا في انهيار الهدنة، ومن جهة أخرى يُحمّل الاحتلال مسؤولية سياسية وأخلاقية عن خرق الاتفاق، في لحظة تسعى فيها واشنطن إلى تثبيت وقف إطلاق النار استعدادًا لمباحثات الإعمار.
في المقابل، يحذر محللون من أن استمرار إسرائيل في تجاوز البنود الميدانية والإنسانية للاتفاق سيقوّض الثقة بين الأطراف، ويعيد القطاع إلى مربع التصعيد، خصوصًا في ظل الانتهاكات اليومية على الحدود وحرمان السكان من أبسط مقومات الحياة.
وبينما تتحدث حماس بلغة القانون والالتزام بالاتفاق، ترد إسرائيل على الأرض بلغة القوة والتهرب من المسؤولية، في مشهد يعيد إلى الأذهان سوابق الاحتلال في نقض الاتفاقات السابقة، ما يجعل اتفاق شرم الشيخ أمام اختبار حقيقي بين إرادة المقاومة في تثبيت الاستقرار، وإصرار الاحتلال على فرض منطق السلاح والعقاب الجماعي.
اقرأ أيضًا : البرهان يلوّح بالتفاوض لإنهاء الحرب.. والإمارات تواصل إشعال الميدان بالسلاح والذهب