شهدت مدن الداخل المحتل مظاهرات احتجاجية حاشدة تحولت إلى مواجهات عنيفة بين متظاهرين غاضبين وقوات الشرطة الإسرائيلية، إثر تظاهرات تطالب بإبرام صفقة تبادل أسرى مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

فوسط تل أبيب، وحيفا، والقدس، وحتى مشارف القطاع، ارتفعت أصوات العائلات التي تطالب باستعادة أبنائها، في مشهد يعكس حجم الإرباك والانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بعد أكثر من ستة أشهر على اندلاع الحرب، دون تحقيق أي تقدم ملموس في ملف الأسرى.

وقد قامت الشرطة بقمع المتظاهرين مستخدمة القوة لتفريقهم، مما أدى إلى اشتباكات بالأيدي في أكثر من موقع، خصوصاً بعد أن أقدم المحتجون على إغلاق طرق رئيسية وسط المدن، ورفعوا شعارات تهاجم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتحمّله المسؤولية عن مصير الأسرى، واصفين أداء حكومته بـ”الفشل الذريع”.

كما أشارت شعارات المحتجين إلى أن “الحل الوحيد” هو التفاوض على صفقة تبادل شاملة، ولو تطلب الأمر وقف الحرب بشكل كامل.

ولم تقتصر الاحتجاجات على المدنيين، بل امتدت إلى نخب عسكرية وأمنية وسياسية بارزة، حيث وقّع أكثر من 138 ألف إسرائيلي على عرائض تطالب الحكومة بالتفاوض الفوري، من بينهم قيادات سابقة في الجيش مثل إيهود باراك ودان حالوتس، الأمر الذي يعكس عمق الأزمة والثقة المتآكلة في القيادة السياسية والعسكرية.

انقسام داخل المؤسسة الأمنية

في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط الشعبية، لا تزال الحكومة الإسرائيلية متمسكة بخطابها المتشدد. فقد أكد بنيامين نتنياهو في آخر تصريحاته أن حكومته لن تخضع لـ”إملاءات حماس”، وأنها ستواصل الضغط العسكري حتى تحقيق كافة “أهداف الحرب”، في إشارة إلى القضاء على قدرات المقاومة، وهو خطاب بات يفقد تأثيره مع مرور الوقت، خصوصاً مع تأكيد عائلات الأسرى أن هذا الضغط لم يُنتج إلا المزيد من الموت، ولم يقربهم خطوة واحدة من استعادة أبنائهم.

وفي المقابل، قالت عائلات الأسرى إن الوزير المكلف بالمفاوضات، رون ديرمر، أخبرهم بأن الإفراج عن الأسرى قد يتطلب ما لا يقل عن ستة أشهر أخرى، مما اعتبروه مؤشراً على غياب أي خطة حكومية جدية. 

وتزداد الخشية من أن استمرار المماطلة قد يؤدي إلى مقتل من تبقى من الأسرى الأحياء في غزة.

ومما زاد حدة الغضب، دعوة “هيئة عائلات الأسرى” إلى تنظيم مظاهرة مركزية قرب حدود القطاع، في كيبوتس نير عوز، حيث أعلنت أنها ستستخدم مكبرات الصوت لتوجيه نداءات مباشرة للأسرى، في محاولة إنسانية لكسر الحصار النفسي الذي يعانيه هؤلاء داخل غزة، وإرسال رسالة رمزية إلى الحكومة بأنها لم تعد تمثل أولويات الجمهور.

هذه الاحتجاجات تزامنت مع تنامي قناعة داخل المؤسسة العسكرية بأن استمرار العمليات العسكرية لا يخدم الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل، بل يخدم فقط بقاء الحكومة الحالية. وقد حذر العديد من القادة السابقين من أن الحرب تُدار برؤية سياسية ضيقة، على حساب الأمن القومي الإسرائيلي.

المقاومة تُصعّد.. والانقسام الداخلي يشتد

منذ عملية 7 أكتوبر أثبتت المقاومة الفلسطينية أنها قادرة على تغيير قواعد الاشتباك، ليس فقط ميدانيًا، بل سياسيًا واجتماعيًا داخل الكيان الإسرائيلي. فقد نجحت في استخدام ورقة الأسرى كورقة ضغط مستمرة على الحكومة، وأحدثت شرخًا واضحًا داخل مجتمع الاحتلال، كشفته مشاهد الغضب والدموع والصراخ في شوارع تل أبيب وغيرها.

ويُقدّر عدد الأسرى الإسرائيليين في غزة بـ59، بينهم 24 على قيد الحياة، في مقابل أكثر من 9500 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال. ورغم الفارق الكبير في العدد، فإن القيمة الرمزية لهؤلاء الأسرى تجعل ملفهم أحد أكثر النقاط إيلاماً للمجتمع الإسرائيلي، إذ يمثل استمرار احتجازهم فشلاً للدولة ومؤسساتها.

المقاومة تدرك ذلك جيدًا، وتصرّ على موقفها: لا صفقة دون وقف الحرب، ولا تبادل دون ثمن سياسي حقيقي. وهي بذلك تحوّل ورقة الأسرى من مجرد ورقة تفاوضية إلى معادلة إستراتيجية تربك حسابات العدو وتكشف هشاشة بنيته الاجتماعية والسياسية.

وعلى الأرض، فإن استمرار القصف الإسرائيلي لم يُضعف المقاومة، بل جعل شروطها أكثر صلابة، وجعل الشارع الإسرائيلي نفسه يطالب بالتراجع عن الحرب مقابل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا التحول مؤشر خطير على أن الحرب بدأت تفقد شرعيتها داخل إسرائيل نفسها، وأن المجتمع الإسرائيلي لم يعد مستعدًا لدفع مزيد من الثمن مقابل “وهم الانتصار”.

الاحتلال في مأزق.. هل تنفجر الجبهة الداخلية؟

يواجه الاحتلال الإسرائيلي اليوم اختبارًا قاسيًا داخليًا، يتمثل في فقدان الثقة بحكومته، وتزايد الشعور بالعجز الجماعي، وتصاعد الاحتجاجات التي باتت تنادي بأكثر من مجرد صفقة تبادل. 

فالمجتمع الذي طالما آمن بأن جيشه لا يُقهر، بات يشك في قدرته على استعادة أبنائه، بل ويحمّله مسؤولية قتلهم.

المقاومة، على الجهة الأخرى، نجحت في استثمار هذا الصدع، وتحويله إلى ورقة ضغط ميدانية وسياسية. 

وإن استمر هذا المشهد، فإن احتمالات انفجار الجبهة الداخلية داخل الكيان الإسرائيلي ستزداد، وقد تكون أكثر تأثيراً من جبهات غزة ولبنان، لأن سقوط الداخل هو ما يزعزع بقاء الدولة من جذورها.

اقرأ أيضًا : “المقاومة تُراوغ الاحتلال من غزة إلى جنين” تصعيد نوعي يُربك حسابات تل أبيب