لم يعد مستقبل تطبيق تيك توك في الولايات المتحدة مجرد قضية تتعلق بالتكنولوجيا أو الأمن القومي، بل أصبح عنوانًا لمعركة أوسع تهدف إلى السيطرة على وعي الملايين وإعادة صياغة الرواية بما يخدم الاحتلال الإسرائيلي وحلفاءه. منذ أكثر من عام والحديث في واشنطن يدور حول مصير التطبيق الصيني، لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب حسمت الأمر هذا الأسبوع بالإعلان عن صفقة بيع قسري ستضع المنصة في يد تحالف يقوده مليارديرات أمريكيون من أبرز الممولين والداعمين لإسرائيل.

في قلب هذا التحالف يقف لاري إليسون، مؤسس شركة أوراكل وأغنى رجل في العالم حاليًا، وأكبر متبرع منفرد للجيش الإسرائيلي عبر منظمة “Friends of the IDF”. الرجل الذي بنى ثروته منذ البداية عبر تطوير قواعد بيانات لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، سيضع يده الآن على الخوارزمية الأشهر في العالم، خوارزمية تيك توك، التي تحدد ما يراه 180 مليون أمريكي يوميًا وما يشكل وعيهم السياسي والاجتماعي. الصفقة تمنحه السيطرة ليس فقط على البيانات، بل على مستقبل الرأي العام الأمريكي في قضايا مركزية مثل فلسطين وإسرائيل.

لكن إليسون لا يأتي إلى الصفقة فارغ اليدين، فهو يملك بالفعل إمبراطورية إعلامية واسعة تشمل CBS وParamount وMTV وNickelodeon وShowtime، ويستعد لوضع يده على CNN وHBO وDiscovery. ما يعني أن التلفزيون الأمريكي، منصات هوليوود، وأشهر قنوات الأخبار ستتداخل مع واحدة من أكبر منصات التواصل الاجتماعي في العالم، ليصبح صوت الاحتلال هو الصوت الوحيد المسموع.

ولم يكن غريبًا أن يعلن ترامب بنفسه أن عائلة مردوخ، مالكة إمبراطورية فوكس الإعلامية، ستكون أيضًا جزءًا من هذه الصفقة. روبرت مردوخ وابنه لاكلان يقدمان إضافة نوعية لهذا التحالف، إذ يعني دخولهما دمج ماكينة الدعاية التقليدية التي تهيمن على شريحة واسعة من الأمريكيين مع الخوارزميات التي تتحكم في سلوك جيل الشباب. إلى جانب ذلك، يبرز اسم مايكل ديل، مؤسس شركة Dell Technologies، الذي لا يخفي دعمه للمشاريع الإسرائيلية، ويشارك في الكونسورتيوم بجانب شركات كبرى مثل Blackstone وSilver Lake وWalmart، إضافة إلى الملياردير فرانك ماكورت.

القانون كان مجرد غطاء لهذه الخطط. ففي عام 2024، أقر الكونغرس الأمريكي قانونًا يحظر تيك توك ما لم يتم بيعه لشركة أمريكية، وأيدت المحكمة العليا القرار في يناير الماضي. لكن ترامب، الذي غيّر موقفه تمامًا بعد أن اعتمد على تيك توك خلال حملته الانتخابية وجذب عبره ملايين الشباب، ظل يوقّع أوامر تنفيذية لتأجيل الحظر مرة تلو الأخرى، حتى يكتمل ترتيب الصفقة. لقد ظهر ترامب نفسه على تيك توك، استضاف الرئيس التنفيذي للتطبيق في منتجعه وفي البيت الأبيض، وأشاد بدوره في مساعدته على الوصول إلى الناخبين الشباب. لكن خلف هذه الابتسامات كانت الخطة تتبلور: تسليم المنصة لواشنطن، ولكن عبر أذرع مليارديرات موالين لإسرائيل.

تفاصيل الصفقة تكشف بوضوح عن حجم السيطرة المنتظرة. شركة أوراكل ستدير البنية التحتية السحابية الخاصة ببيانات المستخدمين الأمريكيين، وتتحكم في خوارزمية التوصيات، بينما ستتراجع حصة الشركة الصينية ByteDance إلى أقل من 20%. وبذلك يخرج التطبيق عمليًا من يد الصين، ويدخل في قبضة تحالف أمريكي يرسم سياسات الإعلام والتكنولوجيا بما يخدم إسرائيل أولًا. مجلس إدارة من سبعة أعضاء أمريكيين سيُشكّل لإدارة الكيان الجديد، لكن كل المؤشرات تقول إن القرارات الكبرى ستبقى بيد نفس المليارديرات الذين يموّلون الاحتلال ويدافعون عنه علنًا.

البيت الأبيض يبرر هذه الخطوة بأنها لحماية الأمن القومي من الدعاية الصينية، لكن الحقيقة أن الصفقة ليست إلا إعادة برمجة للرواية العامة في الولايات المتحدة. المحتوى المنتقد لإسرائيل أو الكاشف لجرائمها في غزة بدأ بالفعل يتعرض للحذف والرقابة حتى قبل إتمام الصفقة، في محاولة لتهيئة تيك توك للرؤية الجديدة. وبهذا يصبح التطبيق، الذي شكّل متنفسًا لنشر الحقائق من غزة والعالم العربي، مجرد أداة أخرى في ماكينة السيطرة على الوعي.

إن دخول أسماء مثل إليسون ومردوخ وديل، إلى جانب شركات مثل أوراكل ودِل وكيانات مالية كبرى، يوضح أن المسألة أبعد من مجرد استحواذ تجاري. ما يجري هو عملية منهجية لإعادة تشكيل الفضاء الرقمي العالمي ليصبح أداة متماهية مع رواية الاحتلال، تستخدم نفوذ المال والإعلام والتكنولوجيا في آن واحد. وفي ظل هذه الصفقة، لن يبقى السؤال: هل سيُحظر تيك توك أم لا؟ بل كيف ستُعاد برمجته ليصبح منصة “مسرّعة” لخدمة إسرائيل وإسكات الروايات الأخرى.