رصدت صور فضائية حرارية التقطتها وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) انبعاثًا حراريًا غير معتاد في منشأة فوردو النووية الإيرانية، في تطور أثار المخاوف من أضرار محتملة إثر الضربة العسكرية التي أعلنتها واشنطن فجر الأحد على مواقع نووية إيرانية.
وجاءت هذه الصور بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ ضربة “ناجحة للغاية” استهدفت ثلاثة مواقع نووية بارزة في إيران: فوردو، ونطنز، وأصفهان.
الصور التي أظهرت بوضوح الانبعاث الحراري من فوردو، تتناقض مع مشاهد مماثلة لمنشأتي نطنز وأصفهان، حيث لم ترصد أي حرارة غير طبيعية. هذا التباين يفتح باب الشكوك حول حجم الضرر الذي لحق بموقع فوردو الواقع تحت الأرض قرب مدينة قم، والذي يُعد من أكثر المنشآت النووية الإيرانية تحصينًا.
وفي الوقت الذي لم تُسجَّل فيه زيادة رسمية في مستويات الإشعاع، بحسب ما أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن المراقبين يشيرون إلى أن الانبعاثات الحرارية قد تكون مؤشرًا أوليًا على احتراق داخلي أو تفاعل غير طبيعي ناتج عن إصابة الموقع مباشرة، أو نتيجة لحرائق في البنية التحتية المحيطة بالمفاعل.
الوكالة الدولية: لا إشعاع بعد.. لكن الوضع مقلق
ورغم أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت في بيان أولي أنها لم ترصد حتى الآن أي زيادة في الإشعاع في فوردو أو أي من المنشآت المستهدفة، فإنها أشارت إلى أنها ستجري “تقييمات إضافية” مع توفر مزيد من البيانات.
وجاء في بيانها أن “غياب إشارات فورية لارتفاع الإشعاع لا يعني أن المنشآت لم تتضرر”، في إشارة ضمنية إلى أن الهجوم الأميركي قد يكون استخدم أسلحة تقليدية خارقة للتحصينات دون تدمير المفاعلات النووية بشكل مباشر.
ويرى مراقبون أن الإعلان الأميركي عن الهجوم، متبوعًا بتصريحات ترامب المتكررة بأن الهدف هو “إنهاء القدرة الإيرانية على التخصيب النووي”، يعكس نية واضحة لكبح البرنامج النووي الإيراني، ولو عبر عمل عسكري مباشر، بما يتجاوز كل الأعراف الدولية ومبادئ القانون الدولي.
واشنطن وتل أبيب.. تحالف الفوضى وتجاوز الخطوط الحمراء
الضربة الأميركية الأخيرة لا يمكن فصلها عن سياق الحرب الإسرائيلية المستمرة ضد إيران منذ 13 يونيو/حزيران الجاري، والتي بدأت بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع عسكرية إيرانية، وتطورت إلى سلسلة من عمليات الاغتيال والضربات الجوية الدقيقة على علماء نوويين وقواعد صاروخية.
إعلان ترامب تنفيذ هجوم مباشر على منشآت نووية، يتجاوز التصعيد الإسرائيلي التقليدي، ويدخل المنطقة في دوامة غير مسبوقة من المخاطر، أهمها احتمال حدوث تسرب إشعاعي أو رد عسكري إيراني واسع النطاق. فاستهداف مفاعل نووي نشط أو منشأة لتخصيب اليورانيوم هو بمثابة “كسر للخط الأحمر”، لا سيما أن المنشآت المذكورة خاضعة لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وإذا كانت إسرائيل قد نفذت خلال السنوات الماضية ضربات نوعية ضد أهداف إيرانية في سوريا والعراق، فإن استهداف مفاعل نووي داخل الأراضي الإيرانية من قبل دولة كبرى كالولايات المتحدة هو سابقة خطيرة تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، وتعيد إلى الأذهان شبح حروب الدمار الشامل.
الاحتلال والإجرام الأميركي.. شريكان في جرّ المنطقة إلى الهاوية
من الواضح أن واشنطن وتل أبيب تمضيان في تنفيذ خطة تستهدف شلّ البنية التحتية العسكرية والعلمية الإيرانية، ولو كان الثمن هو تهديد أرواح ملايين البشر واحتمال إشعال حرب واسعة في الشرق الأوسط.
الولايات المتحدة، التي اختارت أن تدخل الحرب الإسرائيلية الإيرانية بهذه الطريقة، تتحمل اليوم مسؤولية قانونية وأخلاقية عن أي كارثة نووية قد تحدث نتيجة قصف مواقع حساسة بهذا الشكل المتهور.
أما إسرائيل، فإن مواصلة عدوانها بدعم أميركي فاضح، واستهدافها للقادة العسكريين والعلماء والبنية النووية الإيرانية، يكشف عن عقلية احتلالية لا تفرق بين مدني وعسكري، بين مقاومة وسيادة، وتصرّ على فرض سيطرتها عبر سياسة “الحرب الوقائية”، والتي سبق أن ثبت فشلها في العراق وأفغانستان.
الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يوقّع على معاهدة حظر الانتشار النووي NPT، يتلقى الدعم الكامل من واشنطن في استهداف إيران، العضو الموقّع على الاتفاق النووي والمعاهدات الدولية ذات الصلة. هذا التناقض الفجّ بين من يُحاسَب ومن يُطلق يده، يؤكد أن المعايير الغربية المزدوجة لا تزال الحاكم الرئيسي في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط.
رسالة خطيرة للعالم.. هل باتت المنشآت النووية أهدافًا مشروعة؟
رسالة الضربات الأميركية – الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية أخطر من مجرد استهداف سياسي أو عسكري؛ إنها تفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة يُنظر فيها إلى المفاعلات النووية كأهداف عسكرية، في سابقة لم تحدث منذ قصف مفاعل تموز العراقي في 1981.
وهذا المنحى، إذا لم تتم مواجهته بردع دولي حقيقي، يعني أن أي دولة في حالة نزاع قد تجد نفسها عرضة لهجمات على منشآتها الحيوية، ما يجعل العالم بأسره عرضة لخطر التسرب الإشعاعي أو استخدام القوة النووية كسلاح ابتزاز.
ختامًا
ما كشفت عنه صور ناسا لا يجب أن يُعامل كخبر عابر، بل كنذير بمرحلة جديدة من التصعيد قد تكون الأخطر منذ حرب العراق. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذه الجرائم التي تمارسها واشنطن وتل أبيب، فإن المنطقة مقبلة على كارثة لا تُحمد عقباها. فهل تبقى طهران مكتوفة الأيدي؟ أم أن ردها القادم سيكون هو الآخر خارج كل الحسابات؟
اقرأ أيضًا : ضغوط أوروبية تتزايد لعزل المستوطنات.. هل أصبح الاحتلال الإسرائيلي منبوذا دوليًا؟