في تكرار مأساوي بات مألوفًا، توفي السجين السياسي المصري عبد الفتاح محمد عبد المقصود عبيدو، البالغ من العمر 60 عامًا، داخل مستشفى المنصورة الجامعي بعد تدهور حالته الصحية إثر نقله من سجن جمصة شديد الحراسة. عبد الفتاح، وهو مدرّس لغة عربية بالأزهر، قضى أيامه الأخيرة محاصرًا بالمرض داخل السجن، وسط تجاهل واضح لمطالب أسرته بالإفراج الصحي عنه، على الرغم من تدهور حالته المستمر.

وفاة عبيدو لم تكن استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة وفيات سياسية داخل السجون المصرية. فقد سُجّلت تسع وفيات منذ مطلع عام 2025 فقط، ما يثير القلق بشأن منظومة الرعاية الصحية في مراكز الاحتجاز المصرية، التي باتت أشبه بـ”مراكز موت بطيء”، كما تصفها منظمات حقوق الإنسان.

سجناء بلا رعاية.. وقضاء لا يرحم

تنتمي هذه الحالات إلى قائمة طويلة من المعتقلين السياسيين، الذين ألقي القبض عليهم في السنوات الأخيرة، بموجب قوانين أُقرت خصيصًا لـ”مكافحة الإرهاب والتظاهر والطوارئ”، وغالبًا ما يُحاكمون أمام محاكم استثنائية مثل القضاء العسكري أو محكمة أمن الدولة العليا طوارئ. تتهمهم السلطات بتهم فضفاضة تشمل نشر أخبار كاذبة، والتحريض، وتهديد الأمن القومي، دون ضمانات قانونية عادلة.

سلسلة وفيات منذ يناير.. الأسماء تتراكم، والمسؤول غائب

منذ يناير 2025، رصدت منظمات حقوقية سقوط عدد من السجناء السياسيين موتى، نتيجة الإهمال الطبي وظروف الاحتجاز السيئة:

  • عبد السلام صدومة: أول حالة وفاة هذا العام، كان يعاني من السرطان، ولفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الإهمال.

  • سعد السيد مدين: تُوفي في سجن برج العرب.

  • متولي أبو المجد سليمان وأحمد جبر: تُوفيا داخل سجن جمصة في ظروف متدهورة.

  • هشام الحداد: شقيق مساعد الرئيس الأسبق محمد مرسي، تُوفي في سجن العاشر بسبب منع العلاج.

  • خالد أحمد مصطفى: نفس السجن، ونفس المصير.

  • نبيل فرفور (65 عامًا): مات في مارس بعد تدهور صحته بسجن دمنهور.

  • محمد عبد الرزاق: حالة الوفاة الثامنة بنفس السجن، قبل أيام من وفاة عبيدو.

“موت بالتقسيط”.. إحصائيات ترسم صورة مرعبة

  • 50 حالة وفاة لسجناء سياسيين تم تسجيلها في عام 2024 وحده، وفق تقارير موثقة.

  • 137 حالة وفاة موثّقة بين 2022 و2024، بحسب حملة “لا تسقط بالتقادم” التابعة للمفوضية المصرية للحقوق والحريات.

  • الوفيات حدثت في سجون رسمية، مقار احتجاز غير معلنة، مراكز أمن وطني، ومعسكرات أمن مركزي.

من سجن إلى قبر.. رحلة السجين في مصر

المشترك بين هذه الحالات ليس المرض وحده، بل الإهمال الممنهج، وغياب الشفافية، والحرمان من العلاج والرعاية، وتعامل النظام مع المرضى السياسيين كـ”قنابل موقوتة” لا تستحق الحياة، بل يُتركون للموت في صمت خلف الجدران.

تطالب الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، ومعها منظمات دولية ومحلية، بـفتح تحقيقات عاجلة ومستقلة في أسباب الوفاة، ووضع حد لما وصفته بـ”سياسات القتل البطيء” في السجون.

هل تتحرك العدالة قبل أن تفرغ الزنازين من الأحياء؟

مع كل حالة وفاة، يتصاعد الغضب الشعبي والحقوقي، لكن السلطات لا تُحاسب، ولا تُغير سياساتها. فهل المطلوب أن يموت الجميع ليُفتح التحقيق؟ أم أن الموت في الزنزانة صار مصيرًا محتومًا لكل من يحمل رأيًا مخالفًا؟

حتى إشعار آخر، سيظل كل سجين سياسي في مصر مرشحًا لتوديع الحياة، ليس بسبب حكم قضائي، بل بسبب عقوبة غير معلنة: الإهمال حتى الموت.

اقرأ أيضا: هل ينقذ الدعم الأوروبي مصر أم يزيد من تبعيتها الاقتصادية؟