حطّت طائرة شحن عسكرية إماراتية في مطار رامون جنوب إسرائيل محملة بأربعين طناً من الأسلحة الثقيلة في وقت سابق من الأسبوع الماضي. الطائرة، من طراز إيليوشن Il-76 وتحمل الرقم FY4942، وصلت في توقيت حساس، وتجنّبت المجال الجوي الأردني، ما يعكس فهماً مسبقًا لحساسية المهمة حتى من جانب الدول التي ترتبط بعلاقات تطبيع مع الطرفين. لم تُعلن أبو ظبي شيئًا، ولم تنكر تل أبيب، كما لم يصدر أي تصريح عن طبيعة الشحنة، لكن المعطيات كانت واضحة: رحلة عسكرية إماراتية، مسار جوي غير اعتيادي، شحنة تُفرغ تحت حراسة، وأجهزة تتبع عالمية توثق كل شيء. بهذا الصمت المتعمد، أرادت الأطراف أن تنقل الأسلحة وتخفي القصة، لكن القصة خرجت، وكشفت معها ما هو أعمق من مجرد رحلة واحدة.
هذه الشحنة ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من التعاون العسكري والأمني بين النظام الإماراتي وإسرائيل، تعاون لم يبدأ مع هذه الطائرة، ولن ينتهي عندها. منذ توقيع اتفاقات التطبيع، لم تكتف الإمارات بتطوير العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، بل ذهبت مباشرة إلى قلب الصناعات الدفاعية الإسرائيلية. استثمرت، اشترت، وقّعت عقود تصنيع، واستضافت أنظمة عسكرية إسرائيلية على أراضيها. لم يكن الأمر مجرد تبادل معلومات استخباراتية كما جرى الترويج له في البداية، بل كان بناء شراكة عسكرية استراتيجية شاملة. شركة EDGE الإماراتية دخلت في مفاوضات لتوريد طائرات مسيرة من طراز Hermes 900 من شركة Elbit Systems الإسرائيلية، ضمن اتفاق يشمل أيضاً نقل التقنية والتصنيع المحلي داخل الإمارات. هذا النوع من الاتفاقات لا يُبرم إلا بين شركاء استراتيجيين في الميدان، لا مجرد حلفاء سياسيين.
الصفقات لم تتوقف عند المسيّرات، بل شملت أنظمة الدفاع الجوي باراك، وتدريبات بحرية مشتركة، وتمارين جوية شاركت فيها طائرات إماراتية إلى جانب الإسرائيلية، وصولًا إلى تأسيس منصة استخباراتية موحدة تحت اسم “الكريستالة”، مهمتها تتبع التهديدات السيبرانية والعملياتية. في مقابل كل هذا، ظلت غزة تُسحق، والضفة تُجتث، والقدس تُفرغ من أهلها، بينما الإمارات تبني مع إسرائيل مشاريع إنتاج عسكري مشترك وتدخل شراكة استثمارية مباشرة في شركات تصنيع أسلحة إسرائيلية. في مطلع عام 2025، أعلنت شركة Thirdeye Systems الإسرائيلية عن بيع 30% من أسهمها لصالح شركة EDGE الإماراتية، وصفقة أخرى لإنشاء كيان مشترك يكون للإمارات فيه الحصة الكبرى. الصفقة أُنجزت بعد مرور أكثر من عام على بدء الحرب على غزة، ومع ذلك لم تتحرج الإمارات من إعلانها.
التورط لم يتوقف كذلك عند العلاقة المباشرة، بل يتعداها إلى شبكات توريد وتسليح غير مباشرة تمر عبر دول ثالثة، على سبيل المثال، في صربيا، صدّرت شركة Yugoimport-SDPR المملوكة للدولة كميات ضخمة من الأسلحة إلى إسرائيل، بعضها عبر طائرات مدنية، لكن الخط الأهم في هذه الشبكة مرتبط بالإمارات. العلاقات القديمة بين أبو ظبي وبلغراد، والتي بدأت منذ عام 2013 عبر قروض واستثمارات، شملت أيضًا صفقات سلاح، وتطوير مشترك لصواريخ، واتفاقيات لتوريد ذخائر ثقيلة. هذه البنية المالية والعسكرية سمحت للإمارات بأن تكون حلقة وصل رئيسية في شبكة تسليح إقليمي معقّدة، لا تخضع بالضرورة للرقابة العلنية، لكن آثارها تُرصد على الأرض، في ميادين القتال، وعلى أجساد الضحايا.
في عام 2022، شكلت الدول العربية 24% من صادرات الأسلحة الإسرائيلية بما في ذلك الطائرات بدون طيار، في عام 2024، بلغت صادرات السلاح الإسرائيلي نحو 14.8 مليار دولار، وهو رقم قياسي، اللافت أن 12% من هذه الصادرات ذهبت إلى الدول العربية الموقّعة على اتفاقات التطبيع، وعلى رأسها الإمارات. أي أن السلاح الإسرائيلي الذي أُنتج بعد اختباره على أجساد الفلسطينيين، تم بيعه وترويجه في أسواق عربية تحت مسمّى الشراكة الدفاعية. هذه النسبة غير المسبوقة لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة مباشرة لتحوّل بعض الأنظمة العربية إلى زبائن دائمين وشركاء تجاريين لصناعات القتل الإسرائيلية. ما يعجز الغرب عن ترويجه أحيانًا بسبب ضغط الرأي العام، تتولى أنظمة عربية تلميعه وشرعنته، بل وتوظيفه في مشاريعها الأمنية الخاصة.
ما يحدث ليس مجرد تطبيع ولا حتى تحالف. هو انخراط مباشر في تسليح كيان متهم باستخدام المجاعة كسلاح في غزة، وملاحق أمام محكمة العدل الدولية في دعاوى إبادة جماعية. بينما تُلغى صفقات تسليح مع إسرائيل في دول مثل إسبانيا تحت ضغط الشارع، وتطالب أغلبية في بريطانيا بفرض حظر سلاح شامل، تندفع دول عربية لشراء المزيد، والاستثمار أكثر، وتمكين الصناعات الحربية الإسرائيلية من التمدد والانتعاش. الطائرة التي وصلت رامون محملة بالسلاح ليست استثناءً، بل تأكيداً لما هو قائم.
الخطير في هذه المرحلة أن العلاقة لم تعد سرًا ولا موضوعًا للتكهن. الأمر موثق، معلن أحيانًا، ومتباهى به في أحيان أخرى، سواء في تقارير إعلامية أو في تصريحات مسؤولي شركات الأسلحة أو في المناورات العسكرية المشتركة. الإبادة تُنفذ، والأنظمة تصمت، بل وتشارك. ما لم تقله الطائرة في رحلتها من أبوظبي إلى رامون، قالته صفقات المليارات التي وُقعت، والمسيّرات التي تم تصنيعها، والمستودعات التي تمتلئ بذخائر قادمة من عواصم يُفترض أنها عربية. لا حاجة إلى نظريات مؤامرة أو تسريبات استخباراتية، فكل شيء صار علنًا، والخراب يُموّل من الداخل العربي.