لماذا يصر النظام الإماراتي على تبني أسوأ المواقف؟

لم يكن غريبًا أن يتصدر النظام الإماراتي، الذي بات أشبه بالوكيل الرسمي للمصالح الصهيونية في المنطقة، قائمة المطالبين بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة، بل ويشترط ذلك للمشاركة في جهود إعادة الإعمار. فمنذ سنوات، انتهجت أبوظبي سياسة تتماهى تمامًا مع الأجندة الإسرائيلية، حتى أصبحت أكثر تطرفًا من تل أبيب نفسها في بعض القضايا.

واليوم، يقف النظام الإماراتي في الصفوف الأولى مطالبًا بتجريد المقاومة من سلاحها وتحويلها إلى كيان منزوع القوة، تحت رحمة الاحتلال الإسرائيلي. وكأن أبوظبي لم تتعلم شيئًا من التاريخ، ولم تفهم أن المقاومة ليست مجرد سلاح، بل هي إرادة شعب يرفض الاستسلام.

من صفقة القرن إلى تصفية المقاومة.. سجل حافل بالخيانة

الموقف الإماراتي الحالي من المقاومة ليس مفاجئًا، فهو استمرار لدور خبيث تلعبه أبوظبي منذ سنوات لصالح الكيان الصهيوني. فمنذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته المعروفة بـ”صفقة القرن”، كانت الإمارات من أوائل الداعمين لها، رغم أنها لاقت رفضًا عربيًا بالإجماع.

وبينما معظم الدول العربية، حتى تلك التي تقيم علاقات مع واشنطن، ترفض الصفقة، خرج النظام الإماراتي ليكون الصوت الوحيد الذي رحّب بها واعتبرها الحل الوحيد على حد وصف سفيره في أمريكا سيء الذكر يوسف العتيبة!

والآن بعد أن بدا أن “صفقة القرن” قد فشلت، يحاول النظام الإماراتي تحقيق جزء منها عبر مطالبة المقاومة الفلسطينية بنزع سلاحها، وكأن هذا هو مفتاح السلام، متجاهلًا أن المقاومة لم تكن يومًا عقبة أمام الحلول العادلة، بل كانت العقبة أمام الاستسلام والذل والتبعية للصهاينة.

لماذا يريد النظام الإماراتي نزع سلاح المقاومة؟

تتمثل دوافع النظام الإماراتي في هذا الطرح الخبيث في عدة نقاط:

أولا: خدمة المصالح الإسرائيلية بالكامل

•لا يخفى على أحد أن العلاقة بين الإمارات وإسرائيل لم تعد مجرد تطبيع، بل تحولت إلى تحالف استراتيجي وأمني واقتصادي شامل، حيث أصبحت أبوظبي من أكبر الممولين للمشاريع الإسرائيلية في المنطقة.

•دعم المقاومة الفلسطينية وحقها في التسلح يُعد خطًا أحمر بالنسبة لإسرائيل، وبالتالي فإن مطالبة الإمارات بنزع سلاح المقاومة ليس موقفًا سياسيًا محايدًا، بل هو تنفيذ مباشر لرغبة إسرائيلية بحتة.

ثانيا: محاولة تصفية القضية الفلسطينية عبر إخضاع غزة

•النظام الإماراتي يدرك أن المقاومة في غزة هي العقبة الأخيرة أمام المخططات الصهيونية، وبالتالي فإن نزع سلاحها يعني تحويل القطاع إلى مجرد كيان منزوع القوة، يسهل إخضاعه بالكامل لتل أبيب.

•هذا الطرح لا يختلف عن فكرة إدارة غزة من قبل دول عربية بتمويل إسرائيلي، وهو المقترح الذي حاولت واشنطن فرضه سابقًا، لكنه قوبل برفض فلسطيني كامل.

ثالثا: ترسيخ الدور الإماراتي كوكيل للمصالح الصهيونية في المنطقة

•منذ توقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، سعى النظام الإماراتي إلى تقديم نفسه كعرّاب للمصالح الصهيونية في العالم العربي، وهو ما يتجلى في جميع سياساته، من اليمن إلى السودان، ومن ليبيا إلى فلسطين.

•أبوظبي لم تعد تكتفي بالتطبيع العادي، بل أصبحت تسعى لإعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وعسكريًا، بما يتناسب مع الرؤية الإسرائيلية.

هل تستطيع الإمارات تنفيذ هذا المخطط؟

رغم كل هذه المحاولات، فإن النظام الإماراتي يفشل مرة بعد أخرى في فرض رؤيته على الواقع الفلسطيني، لأسباب عديدة أهمها:

•المقاومة الفلسطينية لا تستمد شرعيتها من اتفاقيات دولية أو قرارات عربية، بل من شعبها الذي يرى في السلاح ضمانة للبقاء والصمود.

•أي محاولة لنزع سلاح المقاومة بالقوة ستُقابل برد فعل عنيف، ليس فقط من الفلسطينيين، ولكن من الشعوب العربية والإسلامية التي ترفض الهيمنة الإسرائيلية.

•حتى الدول العربية التي تتبنى سياسات “معتدلة” تجاه إسرائيل، لم تجرؤ على مطالبة الفلسطينيين بالتخلي عن سلاحهم، لأن ذلك يعني تسليمهم بالكامل للمحتل.

لماذا تصر الإمارات على تبني أسوأ المواقف دائمًا؟

في كل المحطات المفصلية للقضية الفلسطينية، كان النظام الإماراتي يقف دائمًا في الجانب الخطأ من التاريخ. لم يكن فقط داعمًا للتطبيع، بل كان أول دولة عربية تفتح باب التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل، وتحوّل نفسها إلى سوق مفتوح لمشاريع الاحتلال، بينما تغلق أبوابها في وجه الفلسطينيين الذين يعانون من الحصار والعدوان.

والآن، مع تصاعد الحرب في غزة، يبدو أن أبوظبي وجدت نفسها في مأزق، فهي لا تستطيع دعم المقاومة لأنها ملتزمة بالكامل بالتحالف الصهيوني، وفي نفس الوقت لا تستطيع إنكار حجم التعاطف الشعبي العربي مع غزة. لذا، لجأت إلى استراتيجية تخريبية عبر المطالبة بنزع سلاح المقاومة، كشرط للمشاركة في جهود إعادة الإعمار، وكأن إعمار غزة يجب أن يكون بثمن سياسي باهظ يدفعه الفلسطينيون من أمنهم وكرامتهم.

المقاومة مستمرة.. ولن يتم نزع سلاحها تحت أي ظرف

ما لم يفهمه النظام الإماراتي هو أن المقاومة ليست مجرد أسلحة وذخائر، بل هي عقيدة شعب قرر ألا يستسلم مهما كانت الظروف. فإذا كانت الإمارات تظن أن بإمكانها شراء ولاء الفلسطينيين عبر أموال إعادة الإعمار، فهي واهمة، لأن غزة لا تحتاج إلى أموال مشروطة تأتي على حساب كرامتها.

ما تفعله الإمارات اليوم هو تكرار للأخطاء التي ارتكبتها واشنطن وتل أبيب مرارًا، حيث اعتقدوا أن الضغط الاقتصادي والسياسي يمكن أن يجبر الفلسطينيين على الاستسلام. لكن كما فشلت كل محاولات التصفية السابقة، فإن هذا المخطط أيضًا لن يمر.

الإمارات تلعب بالنار.. فهل تحترق بها؟

النظام الإماراتي، الذي لطالما تاجر بالقضية الفلسطينية لخدمة أجندته، يواصل اليوم تحركاته المشبوهة لتنفيذ المخططات الصهيونية، لكنه يواجه مقاومة شعبية عربية وإسلامية ترفض الانجرار خلف مشاريعه التخريبية.

إذا كان محمد بن زايد يعتقد أن بإمكانه إعادة هندسة المشهد الفلسطيني وفق ما يناسب تحالفاته مع إسرائيل، فهو لا يدرك أن المقاومة ليست ورقة تفاوضية، بل هي خيار استراتيجي لا يمكن التراجع عنه.

وفي النهاية، ستبقى المقاومة أقوى من كل الصفقات، وسلاحها لن يُنزع، مهما حاولت الأنظمة العميلة أن تفرض شروطها.