على الرغم من الصورة التي يسعى النظام الإماراتي إلى ترسيخها في الإعلام العالمي كدولة “تسامح”، “ابتكار”، و”تقدّم”، إلا أن الواقع وراء الكواليس يروي قصة مختلفة تمامًا، مليئة بملفات الفساد، القمع، شراء الذمم، وتدخّل سافر في شؤون الدول الأخرى. هذا التحقيق يكشف كيف يحوّل محمد بن زايد، الحاكم الفعلي للإمارات، بلاده إلى مركز للتجسس والتخريب الإقليمي، باستخدام المال، الإعلام، والغطاء الحقوقي، لتصفية خصومه وبسط نفوذه.

الدولة البوليسية

النظام الإماراتي قائم على شبكة مصالح مالية وعائلية معقّدة تُدار من قبل أبناء زايد، حيث يتم استغلال المال العام لتمويل المشاريع الاستعراضية بالخارج، وشراء العقارات الفارهة في أوروبا وأمريكا، فيما يبقى المواطن العادي خارج دائرة الاستفادة، وذلك عبر شركات كبرى مملوكة لأبناء العائلة الحاكمة، مثل “إيدج” و”أدنوك”، والتي تعمل دون شفافية مالية أو رقابة حقيقية، مما يجعلها أدوات لتبييض الأموال والصفقات المشبوهة.

ووفق تسريبات “وثائق باندورا”، فإن كبار المسؤولين الإماراتيين، وعلى رأسهم محمد بن زايد، يملكون أصولًا وعقارات بمليارات الدولارات خارج البلاد، بينما يتم التضييق على المواطنين والوافدين داخل الدولة عند تحويل الأموال أو مجرد التعبير عن الرأي.

تحت ستار “الأمن القومي”، يدير النظام الإماراتي شبكة قمع ممنهجة ضد النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان. الناشط أحمد منصور مثال حي على ذلك، حيث لا يزال محتجزًا في ظروف مأساوية لمجرد تغريدات تطالب بالإصلاح. كما يتم الزج بالمواطنين في السجون السرية مثل “سجن الرزين” بتهم فضفاضة، تشمل “الإضرار بهيبة الدولة” أو “نشر أفكار معادية”.

الاعتقالات التعسفية، المحاكمات غير العادلة، واستخدام التعذيب كأداة انتزاع اعترافات، كلها ممارسات موثقة من قبل منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية. يُضاف إلى ذلك قانون “مكافحة الجرائم الإلكترونية” الذي بات سيفًا مُسلّطًا على حرية التعبير، بحيث تُجرّم حتى التعليقات الساخرة أو المتضامنة مع قضايا عربية.

وعلى الصعيد الخارجي، يستخدم النظام الإماراتي المال والنفوذ لزرع الفوضى في المنطقة. من ليبيا إلى اليمن، ومن السودان إلى تونس، كانت أبو ظبي لاعبًا أساسيًا في دعم الانقلابات وتمويل المليشيات المسلحة وتثبيت الأنظمة الاستبدادية، فضلًا عن زرع شبكات تجسس واسعة النطاق باستخدام تقنيات متقدمة.

أبرز الأمثلة على هذه التقنيات برنامج “بيغاسوس” الإسرائيلي، حيث ثبت تورط الإمارات في استخدامه للتجسس على صحفيين، معارضين، وحتى رؤساء دول. كما مولت الإمارات حملات تشويه إعلامية ضد دول مثل قطر وتركيا، مستخدمة شركات علاقات عامة غربية ومنصات إعلامية ناطقة بالعربية والإنجليزية لبث الأكاذيب وتضليل الرأي العام العالمي.

 من جنيف إلى أديس أبابا: محاور الضغط والرشاوى الإماراتية لتشويه قطر والجزائر

منذ بداية أزمة حصار قطر عام 2017، شن النظام الإماراتي حملةً ممنهجة لتشويه صورة قطر داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف. تقارير موثقة كشفت أن الإمارات لم تكتفِ بالمداخلات الدبلوماسية، بل حوّلت المجلس الأممي إلى ساحة تجنيد ورشوة، عبر واجهات حقوقية مزيفة تعمل بأجندة المخابرات الإماراتية.

تصدّرت الفدرالية العربية لحقوق الإنسان – ومقرها أبو ظبي – واجهة هذه الحملة، حيث كشفت الهيئة المستقلة لمراقبة الأمم المتحدة أن الفدرالية دفعت أكثر من 250,000 دولار لرشوة نشطاء ومنظمات مقابل تقديم مداخلات شفوية ضد قطر. كما أنفقت نحو 180,000 دولار على تجنيد طالبي لجوء أفارقة، لا يتحدثون حتى لغة اللافتات التي حملوها، للمشاركة في مظاهرات مفبركة تتهم قطر بانتهاك حقوق العمال.

أبرز الأسماء في هذه الحملة القذرة:

  • عيسى العربي: ناشط بحريني مقرّب من أبو ظبي، لعب دور “الذراع التنفيذية” في توزيع الأموال بالتنسيق مع السفارة الإماراتية.
  • أحمد سعيد الهاملي: ضابط إماراتي سابق، ترأس الفدرالية العربية، ويُوصف بـ”العقل المدبر” الذي زوّد المنظمات بملفات وتهم مُفبركة ضد الدوحة.

التقارير تشير إلى أن هذه الحملة لم تتوقف، بل يستعد النظام الإماراتي لتصعيد جديد خلال دورتَي مجلس حقوق الإنسان في يونيو وسبتمبر 2025، مستهدفًا هذه المرة قطر والسعودية معًا. وفق تسريبات دبلوماسية، خُصصت ميزانيات ضخمة لتنظيم فعاليات جانبية تتضمن “شهودًا” مزيفين وشهادات مكتوبة مسبقًا يُفترض أنهم تعرضوا لانتهاكات في الخليج.

 الاتحاد الإفريقي: المسرح الجديد للنظام الإماراتي لتقويض نفوذ خصومه

بالتوازي مع جبهة جنيف، نقل النظام الإماراتي معركته إلى الاتحاد الإفريقي، محاولًا تجنيد منظمات مدنية في القارة السمراء لخدمة أجندته السياسية. معلومات مسربة من اجتماع مغلق ضم مسؤولين إماراتيين وشخصيات من منظمات مدنية أفريقية، كشفت أن الإمارات تُخطط لفعاليات نهاية 2025 لاتهام قطر بـ”التدخل في شؤون إفريقيا”، والسعودية بـ”الفشل العسكري الإقليمي”.

ولم يكن هذا التحرّك عشوائيًا، بل استهدف تصاعد النفوذ القطري والجزائري في القارة، فاستنفر النظام الإماراتي أدواته للرد عبر حملات تضليل في الإعلام الإفريقي، وشراء مساحات في صحف أفريقية وفرنسية.

 الجزائر تحت النار: محور إماراتي مغربي إسرائيلي لزعزعة الاستقرار

الجزائر لم تكن خارج مرمى الاستهداف الإماراتي، في أواخر 2023، كشفت الإذاعة الجزائرية الرسمية عن مؤامرة خطيرة تقودها أبو ظبي بالتنسيق مع الرباط وتل أبيب لزعزعة استقرار الجزائر أفريقيًا، كما وصفت صحيفة “الخبر” الجزائرية الإمارات في افتتاحية لها بأنها “الشرّ القادم”، مشيرة إلى دور سفيرها في الجزائر كطرف يقف وراء 80% من التوترات السياسية بين البلدين.

وقد كشف الإعلام الجزائري وفقًا لوثائق ومستندات تم تسريبها عن وجود مبلغ 15 مليون يورو قدّمته الإمارات للمغرب بهدف إطلاق حملة إعلامية ودعائية لزرع الفتنة بين الجزائر ودول الساحل، بالإضافة إلى شراء حصص في وسائل إعلام في فرنسا وإفريقيا لبث أخبار كاذبة، والترويج لمزاعم تدخل الجزائر في زعزعة استقرار مالي والنيجر.

 منظمات “حقوقية” مدفوعة الأجر: أدوات للنظام الإماراتي في التزييف والتشويه

المنظمات الحقوقية الدولية تحولت في يد الإمارات إلى أداة تزييف وتشويه، ومن بين أبرز المنظمات التي استخدمها النظام الإماراتي في تنفيذ هذه الخطة الخبيثة:

  • منظمة RADDHO (السنغال): تلقّت تمويلاً مباشراً يفوق 500 ألف يورو من جهات إماراتية. رئيسها نيشكارش سينغ هاجم قطر في مداخلة أممية مستخدمًا تقارير مزوّرة.
  • منظمة TACUDU (غرب إفريقيا): برئاسة فضل أور رحمن أفريدي، حصل على 350 ألف يورو لتنظيم ندوة في سبتمبر 2025 تستضيف “شهودًا” آسيويين وأفارقة لإدانة قطر والسعودية بناءً على روايات مكتوبة سلفًا.

كل ذلك يجري تحت غطاء الأمم المتحدة، بتنسيق مباشر مع السفارات الإماراتية، ويخدم هدفًا واحدًا: تفجير الخصوم من الداخل وتشويه سمعتهم عالميًا.

 النظام الإماراتي وتوظيف الشخصيات الدولية: شراء المصداقية

لم تكتف أبو ظبي بالمنظمات، بل استقطبت شخصيات ذات صفات دبلوماسية:

  • بيرو دياوارا (غينيا): ناشط ودبلوماسي سابق، يحشد الدعم داخل مجموعة إفريقيا في الأمم المتحدة لصالح خطاب الإمارات.
  • كليمان فُول (توغو): مقرر أممي سابق، يستخدم صفته السابقة لخداع الحضور الأممي.
  • إريك ريتشاردسون: دبلوماسي أمريكي سابق، يُشرف على صياغة البيانات الإعلامية بما يتوافق مع مصالح النظام الإماراتي ويُمررها لصحف غربية كأنها تقارير مستقلة.

 إعلام مُوجَّه ومراكز بحث مأجورة: رافعة التضليل الكبرى

أنشأ النظام الإماراتي إمبراطورية إعلامية ومراكز بحثية تروّج لروايته وتهاجم خصومه:

  • مركز ترندز في أبو ظبي (يديره أحمد الهاملي): ينتج تقارير “بحثية” ضد قطر والجزائر تُقدَّم في الأمم المتحدة وكأنها دراسات محايدة.
  • تمويل شركات علاقات عامة غربية مثل SCL Social التي تلقت 330,000 دولار من المجلس الوطني للإعلام في الإمارات لإطلاق حملة ضد قطر في الغرب.
  • تمويل صحف فرنسية وأفريقية ومنصات ناطقة بالعربية لتشويه الجزائر وقطر وإعادة تدوير الأكاذيب تحت شعار “حقوق الإنسان”.

 دولة وظيفية تعبث بالأمن الإقليمي وتفرض شرعيتها الدولية بالقوة

إن استعراض هذه الانتهاكات والمؤامرات يكشف أن النظام الإماراتي ليس أكثر من سلطة أمنية تتقن فن التمويه. خلف الصورة البراقة للدولة الحديثة، يقبع نظام متورط في قمع الداخل وتخريب الخارج، لا يتورع عن استخدام المال، القوانين، والمنصات الدولية كسلاح ضد معارضيه، كما يكشف أن ما يفعله هذا النظام ليس مجرد صراع نفوذ، بل مشروع سياسي قذر يقوده النظام الإماراتي لتفكيك المنطقة، والتلاعب بالرأي العام الدولي، والتسلل إلى المؤسسات الأممية لشرعنة القمع الداخلي وتصفية الحسابات الإقليمية

على المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية الحرة، والصحافة المستقلة أن ترفض الانخداع بالواجهة البراقة، وأن ترفع الصوت عاليًا ضد هذه الانتهاكات المستمرة التي تهدد استقرار المنطقة ونزاهة العمل الحقوقي العالمي، والتوقف عن التعامل مع الإمارات كدولة “حديثة”، وأن يعترف بأنها مركز للتضليل والتجسس وزعزعة الاستقرار، يرتدي ثوب “التسامح” وهو في الحقيقة خنجر في خاصرة الشعوب.