في حلقة جديدة من سلسلة التحقيقات التي تنشرها منصة “فرانس 24” حول كيف وصلت الأسلحة الأوروبية إلى ساحات الحرب في السودان رغم الحظر الأوروبي، تكشف الحلقة الثالثة خيوطًا جديدة تُثبت تورط النظام الإماراتي، ليس فقط في تمويل وتوريد الأسلحة، بل أيضًا في نقل المرتزقة الكولومبيين وتدريبهم وإرسالهم عبر ليبيا إلى السودان، ضمن قوافل السلاح الموجهة إلى ميليشيا الدعم السريع.

التحقيق يبدأ بتتبع المرتزقة الكولومبيين الذين ظهروا في مقاطع فيديو مصوّرة من قِبل مقاتلين سودانيين يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وهم يعرضون شحنة جديدة من قذائف الهاون البلغارية. هذه القذائف كانت محور التحقيق في الحلقتين السابقتين، وتبيّن أن شركة International Golden Group التابعة للنظام الإماراتي هي من استوردها ظاهريًا إلى أبو ظبي، لكنها وُجهت لاحقًا إلى السودان. الشركة نفسها سبق اتهامها بخرق قرارات الحظر الأممي وتسليح ميليشيات في ليبيا.

وفي هذه الحلقة، تكشف الوثائق أن اثنين من المرتزقة الكولومبيين، “كريستيان إل.” و”ميغيل ب.”، كانا من بين أفراد القافلة التي رافقت هذه الشحنة. كريستيان تحديدًا كان يوثق تحركاته على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يحذف كل حساباته فجأة أو يحوّلها إلى “وضع خاص” بعد أيام من ظهوره في فيديوهات السودان.

رحلة كريستيان تكشف الكثير عن شبكة النقل التي أشرف عليها النظام الإماراتي. بدأ رحلته من باريس، ثم نشر صورًا له في شواطئ أبو ظبي، وهي المدينة التي تتمركز فيها الشركة الإماراتية المتورطة في عمليات نقل المرتزقة. وفي يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول 2024، خرج كريستيان من الإمارات، وبعدها بأيام ظهر في فيديو صوّره بنفسه على الحدود بين ليبيا والسودان، وتحديدًا في مدينة “الجوف” الليبية، آخر نقطة قبل الدخول إلى السودان، وهي المنطقة التي تُستخدم منذ سنوات كطريق تهريب أسلحة ومرتزقة عبر ميليشيات موالية لحفتر.

هذه المعلومة تؤكدها مصادر في السودان، منها المستشار السياسي لحركة تحرير السودان، علي ترايو، الذي أشار إلى أن المرتزقة الكولومبيين تم أسرهم أو تصفيتهم قرب الحدود الليبية السودانية، موضحًا أنهم كانوا خبراء سلاح جاؤوا خصيصًا لتدريب قوات الدعم السريع.

التحقيق يشير إلى أن هؤلاء المرتزقة لم يُرسلوا فرادى، بل ضمن عملية منظمة نسّقها النظام الإماراتي عبر شركتين، الأولى شركة كولومبية تُدعى A4SI، يديرها ضابط سابق يقيم في دبي، وله صلات بالمافيا الكولومبية، وقد قامت هذه الشركة بتجنيد المرتزقة، ثم وقّعوا عقودًا ثانوية مع شركة إماراتية تُدعى Global Security Services Group .  الوثائق التي حصل عليها فريق التحقيق من داخل A4SI تشمل استمارات تسجيل المرتزقة، وتطلب من المجندين تفاصيل عن خبراتهم القتالية وقدرتهم على استخدام السلاح، وحتى أماكن وجود الوشوم على أجسادهم، ما يثبت أن الأمر تم عبر قنوات رسمية وليس من خلال وسطاء غير معروفين.

هذه الرحلات التي قادها النظام الإماراتي لم تكن لغرض الحماية أو الدعم الأمني كما تدّعي أبو ظبي عادة، بل كانت لتأمين مسار تهريب السلاح إلى السودان، وتحديدًا لمصلحة ميليشيا الدعم السريع، المتورطة في مجازر إبادة جماعية، كما وصفها بيان رسمي لوزارة الخارجية الأمريكية في وقت سابق.

وقد كشفت مصادر كولومبية، أن النظام الإماراتي عمل على نقل 1800 مرتزق كولومبي إلى السودان، لتنفيذ مهام قتالية خطرة ومباشرة، في مواجهة الجيش السوداني، ولخدمة أجندة الدعم السريع في السيطرة على المزيد من الأراضي، بدعم مباشر من النظام الإماراتي الذي كان يدير العملية لوجستيًا وماليًا.

الباحث السوداني سليمان بلدو، مؤسس “مرصد سياسات السودان والشفافية”، أكد في التحقيق الفرنسي أن هناك تحالفًا غير معلن بين ميليشيا الدعم السريع في السودان، وقوات حفتر في ليبيا، وأضاف أن هذا التحالف بدأ منذ أن دعمت ميليشيا الدعم السريع قوات حفتر في حربه على طرابلس، والآن يردّ حفتر الجميل من خلال نقل الأسلحة والذخائر والوقود عبر ميليشيات موالية له في مناطق مثل “الكفرة” و”الجوف”.

وبحسب التحقيق، فإن مدينة الكفرة ليست فقط محطة انتقال للذخيرة، بل نقطة تجمّع أيضًا للمرتزقة، ومنها انطلق كريستيان ورفاقه إلى الحدود، وهناك على الطريق الصحراوي بين الجوف والكفرة، تم تصوير فيديو الغروب الأخير الذي نشره كريستيان قبل اختفائه.

هذا التحقيق يكشف أن النظام الإماراتي لم يكتفِ بتمويل السلاح، بل أشرف بشكل مباشر على نقل المرتزقة، وأدار العمليات اللوجستية، واستخدم أراضيه نقطة انطلاق. هكذا أصبحت أبو ظبي مركزًا لتجنيد وإدارة عمليات مرتزقة تُشارك في إبادة شعب عربي، وتساهم في نقل الذخيرة الأوروبية المحظورة إلى مناطق الحروب، متحدية كل المعايير الدولية والإنسانية.