كشف تقرير نشرته فايننشال تايمز عن أزمة داخلية غير مسبوقة ضربت شركة Boston Consulting Group (BCG)، إحدى أكبر شركات الاستشارات العالمية، بعد انكشاف تورطها في مساعدة الاحتلال الإسرائيلي عبر مشروع إنساني مشبوه في غزة وطرح نماذج مالية لتهجير الفلسطينيين.
فريق من مستشاري الشركة في الولايات المتحدة عمل لمدة سبعة أشهر على إنشاء ما يُعرف بـ “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF)، وهو برنامج لتوزيع المساعدات الغذائية تم تصميمه لإقصاء الأمم المتحدة عن المشهد، لكن العالم لم يبتلع الطُعم، وأدانت المنظمات الإنسانية هذه الخطة، خصوصاً بعد مقتل مئات الفلسطينيين خلال محاولتهم الوصول إلى مواقع التوزيع.
الفريق نفسه قدّم نموذجاً مالياً لمستقبل غزة بعد الحرب لصالح رجال أعمال إسرائيليين يمولون المشروع، وتضمّن دراسة الأثر الاقتصادي لـ “حوافز” تشجع الفلسطينيين على مغادرة القطاع. الخطة وُصفت بأنها “طوعية ومؤقتة”، لكن منظمات حقوقية شبّهتها بالتطهير العرقي.
التسريبات فجّرت عاصفة غضب داخل BCG، حيث عبر موظفون في مقار الشركة في الشرق الأوسط عن شعورهم بـ”الخيانة” و”العار”. أحد أبرز شركاء الشركة في المنطقة، إيهاب خليل، كتب في مجموعة داخلية على واتساب: “نفد صبري، أشعر بالخيانة… لأول مرة أشعر بالخزي”.
المدير التنفيذي للشركة كريستوف شفايتزر حاول امتصاص الغضب خلال اجتماع موسّع في دبي يوم 17 يوليو/تموز، حضره أكثر من 370 موظفاً. لكن محاولاته فشلت، إذ أثارت تصريحاته استياء الحاضرين عندما قلّل من وصف إسرائيل بأنها “نظام إبادة”، واعتبر كلمة “إبادة” “كلمة كبيرة”، ما دفع عدداً من الموظفين لمغادرة القاعة احتجاجاً.
الشركة أقالت الشريكين اللذين قادا مشروع GHF بعد انكشافه في يونيو، وجرّدت اثنين من التنفيذيين من مناصبهم الإدارية بدعوى أنهم تعرضوا للتضليل. كما تبرأت من العمل المتعلق بتهجير الفلسطينيين، واعتبرت أنه تم دون تفويض.
لكن هذه الإجراءات لم تُنهِ الغضب. موظفون جمعوا توقيعات لمطالبة الإدارة بمزيد من الشفافية وتحمل المسؤولية، بل وصل الأمر إلى احتجاج من خريجي الشركة الذين بعثوا رسالة للمدير التنفيذي ووقع عليها أكثر من 100 شخص، معظمهم من الشرق الأوسط. الرسالة وصفت ما حدث بأنه “فشل أخلاقي مذهل وانهيار في الحكم الرشيد والمسؤولية على مستويات متعددة من القيادة”.
أهمية الأزمة تتضاعف لأن الشرق الأوسط يُعدّ من أسرع الأسواق نمواً لشركات الاستشارات العالمية. BCG رسخت وجودها عبر مكاتب في دبي وأبوظبي والرياض والدوحة، وتعاونت مع صناديق سيادية ومشاريع كبرى، بينها صندوق الاستثمارات العامة السعودي. الإمارات، التي استضافت اجتماع شفايتزر في دبي، باتت ساحة رئيسية لهذه الأزمة بعد انسحاب الموظفين من الاجتماع، ما وضع الشركة في موقف حرج أمام حلفائها الخليجيين.
الإدارة حاولت الحد من تسرب الغضب إلى العلن، لكن مجموعة واتساب الداعمة لفلسطين ولبنان والتي تجاوز أعضائها 600 شخص تم تغيير اسمها لإزالة أي إشارة إلى الشركة، فيما أنشأ موظفون منتدى داخلياً على منصة “سلاك” لمتابعة النقاشات.
رغم ذلك، الأزمة تكشف عن انقسام داخلي عميق بين إدارة عالمية تسعى للتظاهر بالحياد السياسي، وموظفين في الشرق الأوسط يرون أن شركتهم متورطة مباشرة في دعم الاحتلال وتبرير جرائمه.
فضيحة BCG لا تتعلق بخطأ مهني عابر، بل بتواطؤ موثق مع خطط إسرائيلية تستهدف الفلسطينيين، وبعلاقة وثيقة مع أنظمة إقليمية مثل الإمارات التي توفر غطاءً لهذه المشاريع. ما حدث كشف عن انهيار أخلاقي مدوٍّ داخل واحدة من أضخم شركات الاستشارات العالمية، وأكد أن التواطؤ مع الإبادة لا يمكن إخفاؤه مهما حاولت الإدارات التلاعب بالمصطلحات أو التظاهر بالحياد.