من الدعم السياسي إلى التمويل والتسليح.. الإمارات متورطة في حرب الإبادة غرب السودان
في تطور غير مسبوق، أقام السودان دعوى رسمية أمام محكمة العدل الدولية ضد النظام الإماراتي، متهمًا إياه بالتورط المباشر في عمليات الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ميليشيا قوات الدعم السريع المتمردة بحق قبيلة المساليت غرب دارفور. هذه الدعوى، التي تستند إلى أدلة ووثائق تثبت تقديم النظام الإماراتي دعمًا ماليًا وعسكريًا مكثفًا لقوات الدعم السريع، قد تفتح فصلًا جديدًا في الصراع السوداني، وتضع النظام الإماراتي تحت مجهر المحاسبة الدولية.
فما الذي دفع السودان إلى اتخاذ هذه الخطوة غير المسبوقة؟ وما هي أبعاد الدور الإماراتي في تغذية الحرب والانتهاكات الجسيمة التي شهدتها دارفور؟ ولماذا تواصل أبوظبي استخدام نفوذها لإبقاء السودان في دائرة الفوضى؟
النظام الإماراتي في قفص الاتهام.. دعم لوجستي وتسليحي لقوات الدعم السريع
وفقًا لما كشفته الدعوى السودانية، فإن النظام الإماراتي لم يكن مجرد مراقب للأحداث في السودان، بل لعب دورًا نشطًا في دعم قوات الدعم السريع، التي ارتكبت فظائع بحق المدنيين في دارفور، وصلت إلى حد الإبادة الجماعية بحق قبيلة المساليت.
التقارير تفيد بأن الإمارات قامت بتمويل هذه الميليشيات بمئات الملايين من الدولارات، وسهلت حصولها على الأسلحة والذخائر عبر مسارات تهريب عبر ليبيا وتشاد وغيرها فيما تم نقل إمدادات عسكرية مباشرة إلى مناطق سيطرة الدعم السريع.
كما كشف مسؤولون سودانيون أن أبوظبي لعبت دورًا خفيًا في تأمين الغطاء الدبلوماسي والسياسي لقوات الدعم السريع، عبر تقديم الدعم الإعلامي والدبلوماسي للمتمردين، في محاولة لمنحهم شرعية دولية رغم سجلهم الدموي.
دارفور تدفع الثمن.. جرائم إبادة موثقة بحق المساليت
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحولت دارفور إلى ساحة حرب مفتوحة، كان المدنيون، خصوصًا قبيلة المساليت، هم الضحية الأولى فيها.
التقارير الميدانية التي وثقتها منظمات حقوقية أكدت أن قوات الدعم السريع شنت هجمات وحشية على قرى ومخيمات اللاجئين في دارفور، حيث تم قتل الآلاف وحرق القرى ونهب الممتلكات، في عمليات تطهير عرقي ممنهجة.
ما يزيد من خطورة الوضع، هو أن هذه الجرائم لم تكن أعمالًا فردية، بل جاءت ضمن خطة مدروسة ومدعومة لفرض سيطرة الدعم السريع على الإقليم بالقوة، وهو ما لم يكن ليحدث لولا التمويل والتسليح الذي وفرته الإمارات لهذه الميليشيات.
محكمة العدل الدولية.. هل تفتح الباب لمحاكمة النظام الإماراتي؟
الدعوى التي قدمها السودان أمام محكمة العدل الدولية تتهم الإمارات بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية، التي وقعت عليها، من خلال دعمها لقوات ارتكبت جرائم إبادة موثقة دوليًا.
وفي حال قبول المحكمة لهذه الدعوى، فإن ذلك قد يشكل ضربة قاسية للنظام الإماراتي الذي ظل لسنوات يعمل في الخفاء لتمويل وتسليح الفصائل المتمردة والانفصالية في العالم العربي، من اليمن إلى ليبيا، ومن سوريا إلى السودان.
ويعني قبول الدعوى أيضًا أن الإمارات قد تواجه عقوبات دولية، وربما ملاحقات قانونية لمسؤوليها المتورطين في دعم قوات الدعم السريع، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة رسم التحالفات الإقليمية والدولية حول السودان.
لماذا تدعم الإمارات قوات الدعم السريع؟
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا يصر النظام الإماراتي على دعم قوات الدعم السريع رغم سجلها الدموي وانتهاكاتها الفاضحة؟
هناك عدة أسباب تفسر هذا الدعم:
أولا:الهيمنة على الموارد السودانية:
- السودان، وخصوصًا دارفور، غني بالذهب والمعادن النادرة، والإمارات تسعى للسيطرة على هذه الموارد عبر ميليشيات تدين لها بالولاء.
- تقارير عديدة أكدت أن الدعم السريع يصدر الذهب السوداني إلى الإمارات عبر طرق تهريب، في واحدة من أكبر عمليات نهب الموارد في القارة الأفريقية.
ثانيا: إضعاف السودان كدولة قوية مستقلة:
- الإمارات لطالما دعمت تفتيت الدول العربية لصالح مشاريع الهيمنة الإقليمية، كما فعلت في اليمن وليبيا.
- دعم ميليشيا مسلحة مثل الدعم السريع يهدف إلى إبقاء السودان في حالة فوضى تمنعه من لعب أي دور إقليمي مستقل، ما يسهل ابتلاعه سياسيًا واقتصاديًا.
ثالثا: تنفيذ أجندات صهيونية في المنطقة:
- لا يمكن فصل الدعم الإماراتي للدعم السريع عن التحالف الاستراتيجي المتنامي بين أبوظبي وتل أبيب، والذي يهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بما يخدم المصالح الإسرائيلية.
- إبقاء السودان ضعيفًا وممزقًا يصب مباشرة في مصلحة إسرائيل، التي لا تريد رؤية دولة عربية قوية ومستقلة بجوارها.
هل ينجح السودان في إسقاط المخطط الإماراتي؟
هذه الدعوى أمام محكمة العدل الدولية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السودان على مواجهة التدخل الإماراتي في شؤونه الداخلية، وكشف مخططات أبوظبي الرامية إلى تمزيق البلاد.
لكن النجاح في هذه المعركة لا يتوقف فقط على الجانب القانوني، بل يحتاج إلى تحرك سياسي ودبلوماسي واسع لكشف الدور الإماراتي في المحافل الدولية، وفرض ضغوط على أبوظبي لوقف دعمها للميليشيات.
كما أن الجيش السوداني وقوى المقاومة الوطنية مطالبون بتوحيد جهودهم لمواجهة التدخلات الخارجية، وقطع أي خطوط إمداد تصل إلى قوات الدعم السريع من الإمارات، حتى لا يتحول السودان إلى نسخة جديدة من السيناريو الليبي أو اليمني.
فضيحة جديدة لنظام أبوظبي
الدعوى التي قدمها السودان تفتح ملفًا خطيرًا حول دور النظام الإماراتي في تأجيج الصراعات في العالم العربي، وتحويل الدول إلى ساحات حروب أهلية تخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية.
لم يعد ممكنًا بعد الآن التستر على الدور التخريبي للنظام الإماراتي خاصة عندما يتم توثيق دعمها للجرائم بحق المدنيين في السودان عبر المحكمة الدولية.
السودان اليوم يخوض معركة وجودية، ليس فقط ضد ميليشيا الدعم السريع، بل أيضًا ضد قوى خارجية تدير المشهد من وراء الستار. وأي انتصار في هذه المواجهة، سيكون انتصارًا لكل الشعوب العربية التي تعاني من التدخلات الإماراتية الهادفة إلى تفكيك أوطانها ونهب مواردها.