بقلم: مسعد الراجحي
في مشهد طال انتظاره، بدأت محكمة العدل الدولية النظر في دعوى قضائية تقدّمت بها الحكومة السودانية ضد النظام الإماراتي، تتهمها فيها بدعم قوات الدعم السريع المتورطة في ارتكاب جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي في إقليم دارفور، غرب السودان. الدعوى ليست مجرد خطوة قانونية، بل صرخة سياسية تعكس تحوّلاً في مسار الصراع السوداني وتوزيع المسؤوليات الإقليمية.
الإمارات والدعم السريع: شراكة دموية
منذ اندلاع الحرب في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، توالت التقارير الميدانية والحقوقية التي توثق فظائع ارتكبتها “الدعم السريع” ضد المدنيين، لا سيما في دارفور، التي باتت تُوصف اليوم بأنها “مقبرة جماعية مفتوحة”. والأخطر من ذلك، أن تحقيقات دولية كشفت عن تدفق السلاح والدعم المالي إلى قوات حميدتي عبر وسطاء في دولة الإمارات، وفق تقارير صحفية واستقصائية موثقة من بينها تحقيقات نيويورك تايمز وبي بي سي.
هذا الدور الإماراتي لا يمكن وصفه بالمساعدات أو الحياد السياسي، بل هو تورط مباشر في إذكاء الحرب الأهلية، وتمكين ميليشيا عُرفت منذ نشأتها بسجلّها الأسود في انتهاكات حقوق الإنسان، منذ حقبة الجنجويد وحتى اليوم.
من المسؤول؟
يرى مراقبون أن ما يحدث في دارفور ليس مجرد صراع داخلي، بل نتاج لتشابك مصالح إقليمية تديرها أبوظبي من خلف الستار، بهدف السيطرة على الموارد، وبناء تحالفات عسكرية تخدم أجنداتها التوسعية في أفريقيا. فالإمارات ليست وحدها في الميدان، لكنها الفاعل الأبرز والأكثر نفوذًا في مسرح النزاع السوداني، بما تملكه من المال والنفوذ والدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع.
وإذا ثبتت التهم، فإن ذلك قد يفتح الباب لمحاسبة دول تموّل الميليشيات تحت غطاء “الاستقرار” أو “التنمية”، ويؤسس لسوابق قانونية تمنع الإفلات من العقاب.
محكمة العدل.. اختبار للمصداقية الدولية
هذه الدعوى تضع محكمة العدل الدولية أمام اختبار حقيقي: هل تمتلك القدرة على مساءلة دولة بحجم الإمارات، رغم علاقاتها الوثيقة بالغرب ومكانتها المالية؟ أم أن القانون الدولي سيبقى، كما جرت العادة، أداة تُستخدم ضد الضعفاء فقط؟
إن العدالة الحقيقية لا تتحقق بمحاسبة مرتكبي الجرائم فقط، بل أيضًا بمحاسبة من يموّلهم ويدفع بهم إلى ارتكابها. وإذا كانت الإمارات فعلًا شريكًا في جرائم دارفور، فإن محاكمتها واجبة ليس فقط من أجل ضحايا اليوم، بل من أجل استقرار الغد.
خاتمة
محاكمة الإمارات ليست نهاية الطريق، بل بدايته. إنها بداية استعادة الدولة السودانية لحقها في السيادة، وبداية محاسبة حقيقية لمن تاجروا بدماء الأبرياء. أما العدالة، فربما تكون متأخرة، لكنها إن جاءت، ستعيد شيئًا من كرامة دارفور المنهوبة.