أزمة جديدة تفجّرها أبوظبي في واحدة من أكثر المناطق هشاشة في العالم، بعدما قررت السلطات الإماراتية وقف استقبال أي شحنات قادمة من أو متجهة إلى ميناء بورتسودان منذ مطلع أغسطس، في خطوة فجّرت خلافًا حادًا مع الحكومة العسكرية السودانية، وأوقفت تدفق صادرات النفط القادمة من جنوب السودان نحو ميناء الفجيرة، أحد أكبر مراكز تزويد السفن بالوقود في العالم.
القرار الإماراتي، الذي صدر بمرسوم من وزارة الطاقة والبنية التحتية في السابع من أغسطس، تسبب في شلل كامل لتدفقات الخام السوداني الذي تعتمد عليه شركة “فيتول” السويسرية الهولندية، أكبر متعامل نفطي مستقل في العالم، لتغذية مصفاتها في إمارة الفجيرة. هذه المصفاة كانت تعتمد بشكل رئيسي على الخام القادم من جنوب السودان عبر بورتسودان، لتحويله إلى وقود منخفض الكبريت يستخدم في تشغيل السفن العملاقة.
العلاقات المتوترة بين الإمارات والسلطات السودانية، برئاسة عبد الفتاح البرهان، انفجرت بعد اتهامات مباشرة من الخرطوم لأبوظبي بالتورط في دعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، التي تخوض منذ عامين حربًا دامية ضد الجيش السوداني. الحرب التي خلّفت أكثر من 150 ألف قتيل، وملايين النازحين، تحولت إلى مأساة إنسانية غير مسبوقة في إفريقيا الحديثة.
تقول مصادر عسكرية سودانية إن الإمارات لم تكتفِ بتوفير غطاء سياسي لقوات حميدتي، بل تجاوزت ذلك إلى تمويل وتسليح مباشر عبر خطوط إمداد تمتد من الأراضي التشادية إلى دارفور، مرورًا بمطارات ومنافذ تُستخدم لنقل الأسلحة تحت غطاء المساعدات الإنسانية. وقد سبق أن وجه السودان اتهامًا رسميًا لأبوظبي في رسالة إلى مجلس الأمن في سبتمبر الماضي، أشار فيها إلى أكثر من 240 رحلة جوية مشبوهة بين الإمارات وتشاد لنقل مرتزقة ومعدات عسكرية إلى داخل الأراضي السودانية.
الخرطوم ردّت في مايو بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، بعد أن تعرّض ميناء بورتسودان لهجوم بطائرات مُسيّرة نُسب إلى قوات الدعم السريع، واعتُبر دليلاً إضافيًا على ضلوع أبوظبي في تغذية الصراع.
من جانبها، رفضت الإمارات التعليق على أسباب فرض الحظر على شحنات السودان، واكتفت بنفي اتهامات الخرطوم، زاعمة أنها “تدعم جهود السلام وتدين جرائم جميع الأطراف”، وهي الصيغة التي تستخدمها عادة لتبرير تدخلاتها في النزاعات الإقليمية دون تحمل أي مسؤولية سياسية أو قانونية.
النتائج الاقتصادية للحظر كانت فورية. جنوب السودان، الذي يعتمد على تصدير نحو 149 ألف برميل نفط يوميًا عبر السودان لتأمين أغلب موارده المالية، وجد نفسه فجأة أمام طريق مغلق. خطوط الأنابيب المؤدية إلى بورتسودان تعطلت، وشحنات الخام التي كانت تتوجه بانتظام إلى مصافي الفجيرة توقفت بالكامل منذ 30 يوليو.
بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع حركة النفط أكدت أن “فيتول” لم تتلق أي شحنات من السودان منذ ذلك التاريخ، مما اضطرها إلى البحث عن بدائل أكثر تكلفة لتغذية مصفاتها التي تنتج وقود السفن المستخدم في تشغيل نحو 1,800 ناقلة سنويًا. وبحسب البيانات، اشترت الشركة في أغسطس ما يقارب مليوني برميل من خامات بديلة لتعويض النقص الناتج عن توقف الصادرات السودانية.
الحكومة المحلية في الفجيرة، وهي شريك جزئي في المصفاة التابعة لـ”فيتول”، تواجه تحديات تشغيلية كبيرة نتيجة فقدان الخام المفضل لديها. فالمصفاة التي تبلغ طاقتها الإنتاجية اليومية نحو 100 ألف برميل لم تعد قادرة على العمل بالوتيرة المعتادة، ما يعكس حجم الارتباط بين مصالح شركات الطاقة الغربية والسياسات الإماراتية العدائية تجاه السودان.
وبينما تحاول “فيتول” إعادة توجيه بعض الإمدادات إلى مصفاتها في ماليزيا، تشير بيانات تتبع السفن إلى أن نحو 100 ألف برميل من الخام السوداني وصلت بالفعل إلى كوالالمبور في أغسطس، وهو ما يمثل زيادة كبيرة مقارنة بمتوسط 27 ألف برميل فقط شهريًا خلال السنوات الخمس الماضية.
الأزمة الحالية كشفت بوضوح عن الدور الذي تلعبه الإمارات في تحويل موارد المنطقة إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي، في وقت يُعاني فيه ملايين السودانيين من الجوع والنزوح والدمار الشامل الذي خلّفته الحرب. فبينما ترفع أبوظبي شعارات “الاستقرار” و”التنمية”، تواصل فعليًا إدارة اقتصاد الحرب عبر تمويل وتسليح الميليشيات ودعم زعماء الحرب بالمال والسلاح، مقابل عقود نفطية وصفقات ذهب غير معلنة.
النتيجة المباشرة لهذه السياسة أن الإمارات أصبحت طرفًا فعليًا في الصراع السوداني، مسؤولة عن تفاقم الأزمة الإنسانية وحرمان السودان وجنوب السودان من موردهم الاقتصادي الأساسي، وإرباك حركة الطاقة العالمية من خلال تعطيل واحدة من أهم خطوط الإمداد في إفريقيا.
أبوظبي، التي تسعى إلى الظهور كمركز استقرار في المنطقة، تجد نفسها اليوم مكشوفة في واحدة من أخطر ملفاتها، بعدما أثبتت الوقائع أن نفوذها في إفريقيا لم يُبنَ على التنمية، بل على الدم والذهب والنفط.