نشرت وكالة الأنباء الإماراتية (وام) صباح اليوم 30 أبريل/نيسان 2025 خبرًا ساذجًا يفيد أن أجهزة الأمن في الدولة أحبطت محاولة لتهريب خمسة ملايين قطعة ذخيرة إلى الجيش السوداني عبر طائرة خاصة داخل أحد مطارات الإمارات. ادعت الرواية الرسمية أن الأجهزة الأمنية ألقت القبض على خلية تضم شخصيات سودانية بارزة، بينهم صلاح قوش وآخرون، متورطين في تمرير صفقة عتاد عسكري باستخدام فواتير سكر مزورة. ولإضفاء طابع سينمائي على الحادثة، تحدث البيان عن عقود مزورة، وشركات مرتبطة بمواطن سوداني أوكراني، ومراسلات مسجلة، وتحقيقات “كشفت”، لكن دون أن تقدم أي دليل ملموس للرأي العام.
لا صور، لا فيديوهات، لا أسماء شركات إماراتية، ولا توضيح لآلية دخول هذه الكمية الضخمة من الأسلحة إلى أراضي الدولة، أو كيف وصلت إلى طائرة خاصة هبطت للتزود بالوقود! أين كانت أجهزة الأمن طوال مراحل التجهيز والنقل والتخزين؟ ولماذا لم يُعلن عن إحباط العملية إلا في لحظة درامية داخل المطار؟ بل الأدهى أن الطائرة قادمة من دولة أخرى ومُعلنة أنها تحمل شحنة أدوات طبية، فهل تحولت أجهزة الأمن فجأة إلى وحدات استخباراتية قادرة على كشف المستور داخل الحمولات الأجنبية في الوقت المناسب؟ كل شيء في هذه الرواية يبدو مفبركًا ومعدًا بسذاجة طفولية بالغة بسذاجة طفولية بالغة لإنتاج قصة تضليلية، هدفها الأوحد: صرف الأنظار عن الجرائم الكبرى، وتصدير صورة مزيفة عن براءة النظام الإماراتي من النزاع السوداني.
إن هذا الخبر المضحك، بكل ما فيه من فوضى روائية، يأتي في توقيت بالغ الدلالة، بعد أيام من حملة إعلامية إماراتية مركزة للترويج بأن تقرير لجنة خبراء مجلس الأمن المعنية بالسودان “برّأ” أبو ظبي من دعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال. والحقيقة أن التقرير لم يتضمن أي تبرئة، بل أشار بوضوح إلى أن التحقيقات لا تزال مستمرة، وأن الإمارات لم تتعاون بشكل كافٍ مع الفريق الأممي. بل إن التقرير ذاته وثّق أكثر من 24 رحلة جوية مشبوهة انطلقت من مطارات العين ورأس الخيمة، وهبطت قرب حدود السودان دون بيانات واضحة، في فترات تزامنت مع التصعيد الميداني لقوات الدعم السريع في دارفور، مما يثير شبهة التورط في نقل إمدادات عسكرية عبر واجهات التهريب.
وفي قلب التقرير، هناك دليل صلب: قذائف هاون عيار 81 ملم، تحمل أرقامًا تسلسلية تؤكد أنها من شحنة استوردها الجيش الإماراتي من بلغاريا عام 2019، وظهرت لاحقًا في يد ميليشيا متورطة في ارتكاب جرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية. هذا وحده يُسقط أي ادعاء بالبراءة، ويؤكد ما تحدث عنه مسؤولون سودانيون مرارًا عن استخدام الإمارات لواجهات عبر ليبيا وتشاد لتغذية المليشيات خارج إطار الدولة. لكن بدلًا من الاعتراف بالحقائق أو التعاون مع التحقيقات الدولية، اختارت أبو ظبي أن تصنع مسرحية داخلية هزيلة، تتحدث عن إحباط عملية تهريب ذخائر إلى الجيش النظامي السوداني، وكأن ذلك الجيش – الذي تُتهم الإمارات بدعم أعدائه – هو من يستحق الملاحقة والمحاسبة!
ما نشهده هنا ليس مجرد خبر أمني عابر، بل محاولة يائسة لصناعة معركة وهمية مع الجيش السوداني، وتبرئة الذات عبر تشويه الخصوم. الإمارات، التي لا تزال في قلب دائرة الشبهات، تحاول استباق نتائج التحقيقات الأممية عبر ضربات استباقية إعلامية رخيصة، في مشهد يعيدنا إلى الأساليب المعهودة للأنظمة المتورطة: خلق أحداث مصطنعة، تلفيق وقائع غير قابلة للتحقق، وتسويقها كحقائق دامغة.
فإذا كانت الإمارات بريئة كما تدعي، فلماذا لم تتعاون مع لجنة الخبراء؟ ولماذا لا تقدم بيانات الرحلات المشبوهة؟ ولماذا ترفض الكشف عن شحنات الأسلحة؟ ولماذا ظهرت قذائفها في قرى دارفور بدلًا من مستودعاتها؟ وهل أصبحت الإمارات فجأة ضحية تهريب سري في مطاراتها؟ هل من المعقول أن تتهرب خمس ملايين طلقة دون علم الدولة الأمنية الأولى في المنطقة؟ وأين صور هذه الكمية الضخمة؟ أين المعدات المصادرة؟ بل أين فيديو “الإحباط” العظيم الذي يحدث في مطار سيادي؟ الصمت يجيب.
ما تحاول الإمارات فعله اليوم هو تصدير مشهد دعائي للاستهلاك المحلي والدولي، مفاده أنها “تكافح تهريب السلاح”، بينما الحقيقة أن دعمها للمليشيات في السودان ليس محل تكهن، بل بات موثقًا بالأرقام والوقائع والشهادات، ويحتاج فقط إلى استكمال أدوات الإدانة القانونية. هذه المسرحية لن تنجح في طمس حقيقة أن النظام الإماراتي كان وما يزال فاعلًا في تمزيق السودان، وتغذية المذابح، وتقويض آمال شعبه في التغيير والديمقراطية.
المعركة إذًا ليست فقط على الأرض السودانية، بل في ميدان الحقيقة. وكلما زادت أبو ظبي من محاولات التضليل والفبركة، زاد يقين العالم بأنها تخشى انكشاف المستور. ولا يمكن لأي طائرة خاصة أن تنقلنا من ساحة الاتهام إلى قاعة البراءة. التحقيقات لم تنتهِ، والجرائم لا تموت بالتقادم، والحقيقة لا تُطمس بحملة علاقات عامة.