شهدت الأشهر الماضية توقيع سلسلة من الاتفاقيات والمذكرات بين النظام الإماراتي وجمهورية إفريقيا الوسطى، كان أبرزها اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الموقعة في مارس/آذار 2025، إلى جانب اتفاقيات استثمارية وضريبية ومذكرات تفاهم تشمل قطاعات التعدين والبنية التحتية والتعليم. ظاهر هذه الاتفاقيات يوحي برغبة في دعم التجارة والاستثمار والتنمية، لكن قراءة المشهد بعمق تكشف أنها ليست سوى واجهة لمخطط أوسع يتجاوز الاقتصاد إلى السيطرة الاستخباراتية والعسكرية.
اختار النظام الإماراتي إفريقيا الوسطى تحديدًا لقيمتها الاستراتيجية كمحور ربط بين السودان وتشاد وجنوب ليبيا، وسط منطقة تتخبط في النزاعات والهشاشة الأمنية، وبالتوازي مع الاتفاقيات الاقتصادية، كانت أبو ظبي تنسج خيوط شراكة عسكرية وأمنية مع نظام رئيس أفريقيا الوسطى فوستين تواديرا، مستغلة حاجته لدعم خارجي لمواجهة جماعات المعارضة المسلحة. المفاوضات السرية التي قادها وزير الدولة الإماراتي شخبوط بن نهيان مع حكومة بانغي لم تقتصر على تعزيز التجارة، بل شملت ترتيبات لإنشاء قواعد عسكرية صغيرة ومراكز استخباراتية، خصوصًا في شمال البلاد، قرب حدود السودان، في مناطق مثل “فاكاغا” و”بيراو“.
التاريخ القريب يفضح طبيعة هذا التعاون، منذ عام 2022، فتحت إفريقيا الوسطى أراضيها لقوات الدعم السريع السودانية المدعومة إماراتيًا، فتم توقيع اتفاق سري يسمح لميليشيات حميدتي باستخدام بلدة أم دافوق كمركز لوجستي ونقطة تجنيد وتسليح، كما أكد تقرير أممي صدر في يونيو/حزيران 2024 أكد استخدام الدعم السريع لهذه المنطقة لتجنيد مقاتلين من جماعات متمردة إفريقية وسطى، مستغلًا هشاشة الحدود وتورط بعض المسؤولين المحليين في تهريب الأسلحة والمقاتلين.
بالتوازي مع الدعم العسكري، منحت حكومة تواديرا تسهيلات لقوات الدعم السريع لاستغلال مناجم الذهب قرب غورديل، مما حول شمال إفريقيا الوسطى إلى مصدر تمويل مباشر لحرب الإبادة التي تخوضها هذه الميليشيات ضد المدنيين السودانيين. الغارات الجوية والانتهاكات المسلحة التي شهدتها مناطق دارفور والسودان الأوسط اعتمدت لوجستيًا على الإمدادات القادمة عبر الأراضي الإفريقية الوسطى، تحت غطاء إماراتي واضح، فيما كانت الميليشيات الروسية من مجموعة فاغنر، المرتبطة أيضًا بالإمارات وروسيا، تسهم في تأمين هذا الجسر الحيوي.
الدور الإماراتي في دعم الفوضى لم يتوقف عند حدود السودان، فمع تصاعد الانتقادات الدولية ضد استخدام الأراضي التشادية لدعم الدعم السريع، ومع اغتيال ضباط تشاديين بطائرات مسيرة انطلقت من قاعدة أم جرس التي تسيطر عليها الإمارات، بدأت أبو ظبي تبحث عن بدائل آمنة. هنا جاءت أهمية إفريقيا الوسطى: دولة ضعيفة، غنية بالثروات، مع رئيس يسعى للبقاء بأي ثمن. مهبط الطائرات الصغير في بيرا أصبح هدفًا حيويًا لتحويله إلى نقطة ارتكاز لوجستية وعسكرية متقدمة.
لم تتوقف الخطورة عند دعم التمرد السوداني أو نهب الذهب، الخطة الإماراتية تتضمن بناء شبكة استخباراتية إقليمية على غرار شبكات التجسس التي أنشأتها في القرن الإفريقي واليمن. من بيرا وأم دافوق، تخطط أبو ظبي لمراقبة التحركات عبر السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى نفسها، والتدخل في النزاعات المحلية بما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية. الغطاء الاقتصادي عبر اتفاقيات الشراكة يوفر شرعية شكلية، بينما يجري في الخفاء إعادة رسم خريطة النفوذ بوسائل التخريب والفوضى.
الفضائح المرتبطة بالدعم الإماراتي لقوات حميدتي موثقة على نطاق واسع: تمويل ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية، تهريب الذهب عبر منافذ غير شرعية إلى دبي، استغلال الفوضى لتعزيز قبضة شركات إماراتية على قطاعات التعدين والزراعة في دول إفريقية منهكة اقتصاديًا. منظمة “سويس إيد” كشفت أن الفارق بين الذهب الأفريقي الرسمي المصدر وبين الكميات التي تصل إلى دبي بلغ أكثر من 2500 طن خلال عشر سنوات، بقيمة 115 مليار دولار، مما يضع الاستثمارات الإماراتية في إفريقيا في خانة النهب المنظم أكثر من كونها دعمًا للتنمية.
محاولة أبو ظبي خلق ممر آمن لإمداد الدعم السريع من إفريقيا الوسطى تأتي في لحظة حساسة بعد أن بدأ الجيش السوداني، بدعم روسي وإيراني ومصري، باستعادة زمام المبادرة ميدانيًا. استعادة الخرطوم في مارس 2025 شكلت ضربة قوية لحميدتي وحلفائه، مما يفسر الحمى الإماراتية الأخيرة في تعزيز وجودها العسكري في شمال إفريقيا الوسطى، كخط دفاع أخير عن مشروعها في السودان.
رئيس إفريقيا الوسطى يلعب لعبة خطرة، إذ يحاول التوفيق بين التحالف مع الدعم السريع وبين الإبقاء على قنوات اتصال مع الحكومة السودانية. ولكن حجم التورط بات أكبر من أن يُخفى، واندلاع أزمة إقليمية بسبب هذا الانحياز بات احتمالًا راجحًا، مع تعاظم المؤشرات على أن الإمارات تستعد لاستخدام الأراضي الإفريقية الوسطى ليس فقط لدعم التمرد السوداني، بل للتوسع في بناء قواعد وشبكات مراقبة تطال منطقة الساحل بأسرها.
ما بدأ باتفاقيات تجارية وانتهى بصفقات عسكرية سرية يكشف أن الإمارات تنظر إلى إفريقيا كأرض مفتوحة لمشاريعها المشبوهة، بعيدًا عن أي التزام بمعايير التنمية أو احترام سيادة الدول. الأدلة تتراكم على أن ما يجري ليس دعمًا للنمو الاقتصادي، بل توسيعًا لشبكة مصالح قذرة قوامها الذهب المهرب، الميليشيات المسلحة، ونقاط التجسس التي تهدد أمن واستقرار القارة برمتها.