ما يُكشف اليوم عن دبي يفضح الوجه الآخر، بل الوجه الحقيقي لها، في ظل الحرب، ويقدّم صورة مختلفة تماماً عن الرواية الرسمية التي طالما روّجت لها السلطات الإماراتية باعتبارها مدينة آمنة ومزدهرة ومنفصلة عن اضطرابات المنطقة. فبينما استمرت الدعاية الرسمية في تصدير مشهد “المدينة المثالية”، بدأت الوقائع على الأرض تكشف واقعاً مغايراً، يتسم بالخوف، والتشديد الأمني، والتضييق على السكان والمقيمين.

لسنوات طويلة، جرى تقديم دبي كنموذج استثنائي: مدينة بلا ضرائب، منخفضة الجريمة، سهلة الحياة، ومفتوحة أمام الطموحين من مختلف أنحاء العالم. هذا التصور لم يكن مجرد دعاية عادية، بل كان نتيجة عمل ممنهج شاركت فيه الدولة عبر أدوات متعددة، من بينها الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، وصناعة “المؤثرين” التي جرى توظيفها بشكل مباشر لتلميع الصورة وتصديرها عالمياً.

لكن مع اندلاع الحرب، بدأت هذه الصورة في التصدع. فبينما تنتشر صور الضربات الجوية والانفجارات وسقوط الطائرات المسيّرة، تستمر الرسائل الرسمية ومحتوى المؤثرين في تقديم دبي باعتبارها مدينة “آمنة تماماً”، مع التقليل من المخاطر واتهام من ينقلون الواقع بالمبالغة أو نشر معلومات مضللة. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني خلق حالة من الصدمة لدى كثير من المقيمين، الذين بدأوا يدركون أن ما تم تسويقه لهم يختلف جذرياً عما يعيشونه الآن.

عبر شهادات مباشرة من مقيمين، فإن الوضع على الأرض بعيد تماماً عن صورة “الأمان الكامل”. السكان يتلقون تحذيرات مستمرة بالاحتماء، ويُطلب منهم اللجوء إلى أماكن مثل مواقف السيارات تحت الأرض مع عائلاتهم، في مشهد لا يمت بصلة للصورة اللامعة التي رُسمت للمدينة. ومع ذلك، تواصل السلطات الإصرار على نفي المخاطر أو التقليل منها، في محاولة واضحة للسيطرة على الرواية العامة.

الأخطر أن السلطات لم تكتفِ بإنكار الواقع، بل انتقلت إلى ملاحقة من يوثّقونه. فقد تم توقيف عدد من المقيمين لمجرد التقاط صور أو مقاطع فيديو لأضرار ناتجة عن الهجمات، حتى وإن كانت هذه المواد متداولة بالفعل في وسائل إعلام عالمية. بل إن بعضهم تعرّض للمساءلة فقط لأنه أرسل هذه الصور لأفراد من عائلته القلقين في الخارج. هذه الإجراءات تكشف أن الهدف ليس حماية الأمن، بل فرض رقابة صارمة على تدفق المعلومات ومنع أي رواية تتعارض مع الخطاب الرسمي.

هذا السلوك ليس استثناءً مرتبطاً بالحرب، بل هو امتداد لسياسة قائمة منذ سنوات. فالإمارات تعتمد منظومة قانونية شديدة الصرامة، خصوصاً فيما يتعلق بالجرائم الإلكترونية، حيث يمكن تجريم أفعال بسيطة للغاية، مثل مشاركة منشور، أو إرسال رسالة، أو كتابة تعليق سلبي. هذه القوانين تمنح السلطات قدرة واسعة على ملاحقة الأفراد، وتخلق بيئة يسودها الخوف والرقابة الذاتية.

تو توثيق كذلك حالات عديدة تم فيها احتجاز أشخاص بسبب رسائل خاصة على تطبيقات مثل واتساب، أو بسبب منشورات قديمة على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى لو كانت كُتبت خارج الإمارات بسنوات. في بعض الحالات، جرى اعتقال أشخاص فور وصولهم إلى البلاد استناداً إلى محتوى رقمي سابق. هذا الامتداد العابر للحدود للقوانين يجعل أي شخص عرضة للمساءلة دون أن يدرك ذلك.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهذه القوانين يمكن إساءة استخدامها بسهولة. فقد تُقدَّم شكاوى كيدية، ويبدو أن الإجراءات غالباً ما تميل لصالح المشتكي، ما يفتح الباب أمام الابتزاز. في حالات كثيرة، اضطر أفراد لدفع عشرات الآلاف من الدولارات لإنهاء قضايا أو رفع حظر السفر المفروض عليهم. بالإضافة إلى ذلك، توجد حالات استخدمت فيها هذه التهديدات للضغط على نساء وإجبارهن على الامتثال، في ظل إدراكهن أنهن قد يواجهن السجن بسهولة.

في موازاة ذلك، برز في هذه الحرب الدور المركزي الذي تلعبه “منظومة المؤثرين” في ترسيخ الصورة الزائفة. فالدولة لم تكتفِ بالسماح بهذا النوع من المحتوى، بل عملت على تنظيمه ودعمه، من خلال إنشاء “أكاديمية للمؤثرين” تهدف إلى تدريب صناع المحتوى على الترويج لدبي. هذه الخطوة تُظهر أن الترويج للصورة الإيجابية ليس عفوياً، بل جزء من استراتيجية متكاملة لإنتاج رواية محسوبة بعناية.

وبينما تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بصور المسابح الفاخرة والسيارات الرياضية والحياة المثالية، يغيب تماماً الحديث عن المخاطر القانونية، والانتهاكات، والاعتقالات التعسفية، بل وحتى الوفيات داخل مراكز الاحتجاز. هذه الفجوة بين الصورة والواقع هي جوهر ما تكشفه التقارير الواردة من دبي، وتفسر حالة الصدمة التي يعيشها كثير من المقيمين الذين بدأوا يرون وجهاً لم يكونوا يتوقعونه.

مع تصاعد التوترات الأمنية، ازداد تطبيق هذه القوانين بشكل أكثر شدة. الإمارات تُصنَّف كواحدة من أكثر الدول خضوعاً للمراقبة الرقمية، حيث تتم متابعة الأنشطة الإلكترونية بشكل مكثف، ويُمنع استخدام أدوات مثل الشبكات الافتراضية الخاصة في كثير من الحالات. في هذا السياق، يصبح حتى التواصل الخاص عرضة للتدقيق، ويتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مراقبة دائمة.

هذه البيئة لا تؤثر فقط على الأفراد، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد. فمع تزايد النزاعات القانونية، وفقدان الشعور بالأمان، وبدء مغادرة بعض المستثمرين والمقيمين، تتعرض سمعة دبي – التي تُعد أساس نموذجها الاقتصادي – لضغوط غير مسبوقة. فهذه المدينة قامت أساساً على جذب رؤوس الأموال والمهارات من الخارج، وأي تراجع في الثقة قد يؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد يصعب احتواؤها.

وفي سياق أوسع، تشير تقارير في أوساط تحليلية واستخباراتية إلى أن الإمارات ليست فقط متأثرة بتداعيات الحرب، بل منخرطة فيها بشكل مباشر عبر أدوار أمنية واستخباراتية تخدم الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. هذا الدور يطرح تساؤلات خطيرة حول مدى استعداد النظام الإماراتي للمخاطرة بأمن سكانه والمقيمين والمستثمرين، مقابل تحقيق مكاسب سياسية أو خدمة تحالفات خارجية، خاصة في ظل التقارب الواضح مع إدارة دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

كل ذلك يكشف أن ما يجري ليس مجرد أزمة طارئة، بل نتيجة طبيعية لسياسة طويلة قائمة على إخفاء الحقائق وتصدير صورة مصطنعة. هذه السياسة قد تنجح في الظروف العادية، لكنها تتهاوى سريعاً عند أول اختبار حقيقي، كما يحدث الآن.

في النهاية، يخلص هذا المشهد إلى حقيقة واضحة: إنكار ما تخلّفه الحرب، والتعامل معه كمسألة إعلامية يمكن التحكم فيها، لا يحمي أحداً. بل على العكس، يفاقم المخاطر ويؤدي إلى نتائج أكثر خطورة على المجتمع والاقتصاد والاستقرار العام. فالواقع لا يمكن إخفاؤه إلى الأبد، ومحاولة تجاهله لا تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة ودفع ثمن أكبر في النهاية.