النظام السعودي يواصل سياساته التطبيعية بوجوه جديدة، وهذه المرة من بوابة الثقافة والفن. في مشهد مثير للغضب والاستياء الشعبي، قررت السلطات السعودية عرض فيلم “سنو وايت” الجديد الذي تشارك في بطولته المجندة السابقة في جيش الاحتلال الإسرائيلي غال غادوت، وذلك ابتداءً من 17 أبريل، بينما أطفال غزة يُقتلون يوميًا تحت أنقاض منازلهم وخيامهم.
غال غادوت: وجه فني أم وجه دعائي للاحتلال؟
غال غادوت ليست مجرد ممثلة تؤدي أدوارًا في أفلام هوليوودية، بل هي مجندة سابقة في الجيش الإسرائيلي، وقد استخدمت شهرتها في الدفاع عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، حتى عندما يتعلق الأمر بقصف غزة، وتدمير بيوت المدنيين، وقتل الأطفال. ظهرت غادوت في أكثر من مناسبة داعمة للجيش الإسرائيلي، بل وأيدت العمليات العسكرية بشكل علني، ما يجعل ظهورها في فيلم يُعرض داخل الأراضي السعودية بمثابة صفعة معنوية لكل فلسطيني وعربي.
صالة العرض السعودية… مسرح لتلميع جرائم الاحتلال
قرار عرض الفيلم في صالات السينما السعودية، في وقت منعت فيه دول مثل الكويت ولبنان عرضه،على الرغم من الضغوط الإعلامية، يكشف طبيعة التوجه السعودي نحو تطبيع شامل لا يقتصر على السياسة. في صالة العرض، لن يرى الجمهور فقط قصة خيالية من عالم ديزني، بل سيشاهد رمزًا للدعاية العسكرية الإسرائيلية، تُعرض له التذاكر وتُفتح له أبواب دور العرض وكأن الاحتلال مجرد تفاصيل هامشية. النظام السعودي يسير في الاتجاه المعاكس، غير مكترث بحالة الغضب الشعبي، ولا بمشاعر الشارع العربي، بل حتى لا يكترث للتوقيت الذي يقتل فيه الفلسطينيون يوميًا على يد الجيش نفسه الذي كانت غادوت جزءًا منه.
تطبيع ثقافي بأقنعة الترفيه والانفتاح
ما يجري ليس مجرد قرار تجاري، بل سياسة واضحة يُراد تمريرها باسم الترفيه والانفتاح. النظام السعودي يستثمر في استيراد الثقافة الغربية بمضمونها الكامل، دون أي اعتبار للرموز أو الأبعاد السياسية التي تحملها تلك الأعمال. وما فيلم “سنو وايت” سوى حلقة جديدة في مسلسل تطبيع ثقافي مستمر، بدأ بحفلات مشتركة، وزيارات متبادلة، واستمر حتى وصل إلى الشاشة الكبيرة.
أين غزة من ضمير النظام السعودي؟
غزة اليوم تعيش تحت القصف، أكثر من 30 ألف شهيد بينهم نساء وأطفال، مئات الآلاف بلا مأوى، وآلاف المصابين والمفقودين. ومع ذلك، لا يُسمح لأي مواطن سعودي بإبداء تضامنه علنًا دون التعرض للمساءلة أو الاعتقال، بينما تُعرض أفلام أبطالها من دعاة الحرب على غزة بكل أريحية.
في هذا التناقض المؤلم، يبدو أن التضامن مع غال غادوت أسهل بكثير من التضامن مع أطفال غزة في شوارع السعودية. وتُطرح الأسئلة: ما الرسالة التي يبعثها هذا القرار؟ هل أصبحت غزة أقل أهمية من فيلم؟ أم أن النظام السعودي يُبرمج وعي الجمهور تدريجيًا نحو تقبل الاحتلال كأمر واقع؟
استضافة فنية أم شرعنة للقتل؟
منظمات حقوقية عدة علقت على دور غادوت ورفضت تطبيع ظهورها في أي منابر إعلامية أو فنية عربية. تقول “هيومن رايتس ووتش” إن مثل هذه المظاهر تفتح الباب أمام إعادة تشكيل صورة الاحتلال وتبييض جرائمه. كما اعتبرت منظمات فلسطينية أن أي جهة تسمح بظهور ممثلين داعمين للاحتلال الإسرائيلي، تُسهم في الترويج للرواية الإسرائيلية وتُضعف معركة الفلسطينيين من أجل العدالة.
حتى داخل الأوساط الثقافية السعودية، لم يكن هناك ترحيب واسع. الكثير من المثقفين التزموا الصمت خوفًا من العقوبات، لكن في المجالس الخاصة، عبّر الكثيرون عن صدمتهم من عرض فيلم تُشارك فيه شخصية كهذه، في توقيت كهذا، وفي بلد يُفترض أنه يدّعي الدفاع عن القيم الإسلامية والعدالة.
صناعة الوعي الجماهيري على الطريقة السعودية
ما يحدث في صالات السينما ليس قرارًا تجاريًا عابرًا، بل جزء من مشروع ضخم لإعادة تشكيل الوعي الجمعي السعودي، خصوصًا بين الأجيال الشابة. عندما تُعرض ممثلة إسرائيلية سابقة على الشاشات، دون أي تحذير أو توضيح لخلفيتها السياسية، فإن الرسالة واضحة: لا مشكلة في التطبيع، ولا حرج في تجاوز دماء الفلسطينيين من أجل “الترفيه”.
السينما ليست محايدة، بل وسيلة للتأثير الثقافي والسياسي. والسماح بمرور مثل هذا المحتوى من أعلى المستويات هو تأكيد جديد أن النظام السعودي لم يعد فقط غير مكترث بالقضية الفلسطينية، بل بات مستعدًا لتبييض الاحتلال، إن لزم الأمر، بوسائل ناعمة.
من التطبيع الصامت إلى التطبيع الصارخ
لسنوات، مارست السعودية ما يمكن تسميته بـ “التطبيع الصامت” — لقاءات خلف الكواليس، صفقات غير معلنة، تعاطٍ دبلوماسي محدود. لكن المرحلة الحالية مختلفة تمامًا. نحن أمام موجة “تطبيع صارخ” لا تخجل من الإعلان عن نفسها، بل تسعى لأن تُصبح جزءًا من حياة المواطن اليومية.
عرض أفلام مثل “سنو وايت” ليس مجرد استيراد ثقافي، بل هو إدماج للتطبيع في تفاصيل الحياة العامة: من شاشة السينما إلى الإعلانات، ومن برامج الترفيه إلى التعليم غير المباشر.
تساؤلات مشروعة عن النوايا والمستقبل
إذا كان هذا هو التوجه الثقافي الحالي، فإلى أين نحن ذاهبون؟ وهل سيتم غدًا استضافة نجوم إسرائيليين في مهرجانات الرياض السينمائية؟ هل ستُترجم كتب لجنرالات الاحتلال ضمن مشروع الترجمة السعودي؟ كلها تساؤلات أصبحت مشروعة في ظل ما يجري.
الرد الوحيد الذي يمكن أن يقنع الشعوب هو قرار فعلي بالتراجع عن التطبيع، وليس تبريرات شكلية. أما الصمت الشعبي الرسمي، فإنه قد يُنتج في النهاية انفجارًا ثقافيًا أو مجتمعيًا على المدى البعيد، لأن الوعي لا يُمكن أن يُقمع طويلًا.
ثقافة بلا كرامة في زمن التطبيع
قرار النظام السعودي بعرض فيلم من بطولة غال غادوت ليس مجرد استعراض ثقافي، بل قرار سياسي يعبّر عن انخراط غير معلن في تطبيع كامل مع الاحتلال. إنه تطبيع يتخفى خلف سينما هوليوود، لكنه يحمل رسائل ثقيلة في مضمونها: لا مكان لغزة في الوعي الرسمي السعودي، ولا مكان للكرامة العربية في المشهد الثقافي الذي تصنعه الرياض.
الرهان على صمت الشعوب لن ينجح إلى الأبد. وربما تبدأ أولى بوادر التغيير حين تُدرك المجتمعات العربية أن معركتها ليست فقط في السياسة، بل في الثقافة والإعلام والمواقف الرمزية. وبينما تُعرض صور الممثلة التي دعمت قصف غزة على الشاشات، تظل الحقيقة واضحة: الكرامة لا تُشرى بتذاكر، ولا تُعرض في دور السينما.