في خضم المشهد المأساوي الذي تعيشه غزة، تتكشف يوماً بعد يوم أبعاد جديدة لشبكة المصالح الجيوسياسية التي تضع المكاسب الاقتصادية فوق دماء الشعوب. ورغم أن ظاهر الأخبار يتحدث عن مجرد توسيع الهند لمصادر وارداتها من الطاقة لضمان أمنها القومي، إلا أن القراءة المتأنية لحجم التدفقات النفطية الإماراتية إلى نيودلهي تكشف عن اصطفاف سياسي يمثل خذلاناً صريحاً وطعنة غائرة في ظهر الأمة العربية والقضية الفلسطينية.
ففي الوقت الذي تُباد فيه غزة وتستغيث، تواصل أبوظبي ترسيخ مكانتها كشريان طاقة رئيسي للهند، موفرة نحو 15% من واردات نيودلهي من النفط الخام، و25% من غاز البترول المسال، و10% من الغاز الطبيعي المسال. هذا التدفق الهائل للطاقة لا يمكن قراءته كمجرد تبادل تجاري تقليدي، بل هو دعم اقتصادي واستراتيجي لدولة تفاخر بشراكتها العميقة مع الكيان الإسرائيلي، وتتبنى مواقف تتقاطع بشكل مباشر مع الرؤية الأمريكية والصهيونية في المنطقة.
وتتضح معالم هذا الخذلان الاستراتيجي للموقف العربي عند النظر إلى الصورة الأوسع التي يجمع إطارها الدول الأربع: الإمارات، والهند، والولايات المتحدة، وإسرائيل، تحت مظلة تحالف «I2U2». هذا التحالف، الذي وُلد من رحم “اتفاقات أبراهام”، لم يعد مجرد منصة للتنسيق الدبلوماسي، بل تحول إلى أداة لدمج الاقتصاد الإسرائيلي في المنطقة بتواطؤ عربي. فمن خلال المشاريع المشتركة في قطاعات الغذاء والطاقة النظيفة، توفر أبوظبي بيئة خصبة للقطاعين الخاص الإسرائيلي والأمريكي للتمدد، وتجنيب تل أبيب أي عزلة دولية أو حصار اقتصادي كان ينبغي أن يُفرض عليها جراء جرائمها المروعة.
وما يزيد من فداحة هذا المشهد هو غياب أي التزام أخلاقي أو سياسي تجاه الحقوق الفلسطينية في هذه الاتفاقيات. فالتطبيع الإماراتي الإسرائيلي الذي تُوج باتفاق تجاري واسع دخل حيز التنفيذ في أبريل 2023، تبعه اتفاق استثماري ثنائي بين الهند وإسرائيل في سبتمبر 2025. وفي كلتا الحالتين، لم تضع أبوظبي أو نيودلهي شرطاً واحداً يربط هذه الامتيازات الاقتصادية الهائلة بوقف شلال الدم في غزة أو احترام أبسط حقوق الإنسان للفلسطينيين. إنه خيار سياسي مع سبق الإصرار، يمنح الاحتلال مكافآت اقتصادية مجانية بينما يواصل آلة القتل والتهجير.
هنا، وفي هذا السياق المعقد، تسقط الأقنعة عن الدبلوماسية المزدوجة؛ فبيانات الإدانة الإماراتية للعمليات البرية في غزة والمطالبة بوقف إطلاق النار تفقد كل قيمتها ووزنها عندما تُقرأ في سياق هذا الدعم الاقتصادي غير المشروط. إن الإدانة اللفظية لا تكلف شيئاً في أروقة الأمم المتحدة، ولكن استخدام سلاح الاقتصاد والتجارة للضغط هو ما يصنع الفارق الحقيقي. وهو السلاح الذي اختارت أبوظبي طوعاً أن تجرده من فاعليته، بل وتوجهه لخدمة تحالف يصب في النهاية في مصلحة واشنطن وتل أبيب على حساب الأمن القومي العربي.
في النهاية، لا يمكن تبرير هذه التحركات تحت غطاء “حق الدول في تأمين احتياجاتها من الطاقة” أو “البحث عن أسواق جديدة للصادرات”. إن ما يجري هو استراتيجية مكتملة الأركان تضرب التضامن العربي في مقتل، وتجعل من العواصم التي يُفترض بها أن تكون سنداً للأمة في أزماتها، مجرد تروس في آلة اقتصادية وسياسية تخدم أعداءها، تاركة غزة تواجه مصيرها وحيدة في مواجهة تحالف تقوده المصالح المطلقة وتغيب عنه كل المبادئ.