شهدت الفترة الأخيرة في غزة سلسلة من الانتهاكات والقرارات التي يتخذها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والتي يتضح من خلالها محاولاته المتعمدة للتهرب من استحقاقات وقف إطلاق النار المتفق عليه مع الفلسطينيين.
تأتي هذه الإجراءات في ظل ظروف سياسية داخلية معقدة، حيث يسعى نتنياهو للحفاظ على موقعه في ظل التحديات السياسية والضغوط الداخلية، محاولاً تأمين مستقبله السياسي بأي ثمن.
نستعرض فيما يلي أبرز أساليب المماطلة والخرقات التي اعتمدها نتنياهو خلال تنفيذ الاتفاق.
تأخير بدء وقف إطلاق النار
منذ اللحظة الأولى لدخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بدا أن نتنياهو يسلك مسار المماطلة، ففي اليوم الذي كان من المفترض أن يبدأ فيه وقف إطلاق النار وفقاً لإعلان الوسيط القطري عند الساعة 08:30 بالتوقيت المحلي في غزة، قام نتنياهو بتأجيل بدء التنفيذ لأكثر من ثلاث ساعات، وبدلاً من الالتزام بالموعد المحدد، أعلن مكتب نتنياهو لاحقاً عن بدء العمليات عند الساعة 11:15، مما أسفر عن وقوع إصابات وشهداء بين الفلسطينيين الذين كانوا يحاولون العودة إلى منازلهم رغم الدمار الهائل.
هذا التأخير ليس مجرد خطأ تنسيقي؛ بل هو خطوة متعمدة لتجنب تحمل المسؤوليات المترتبة على تنفيذ الاتفاق بالشكل الصحيح.
تعطيل عودة النازحين
أحد أبرز الإجراءات التي أثارت استنكار المجتمع الدولي كان قرار حكومة الاحتلال بتعطيل عودة النازحين من جنوب قطاع غزة إلى شماله.
كان من المقرر أن تتم عودة النازحين في اليوم السابع من بدء وقف إطلاق النار، لكن الحكومة الإسرائيلية استندت إلى ادعاءات بأن حركة حماس خرقت بنود الاتفاق بعدم الإفراج عن أسيرة تُدعى “أربيل يهود” ضمن الدفعة الثانية من تبادل الأسرى.
ورغم أن الإدارة الإسرائيلية زعمت أن الأسيرة من النساء المدنيات، إلا أن المقاومة في غزة أكدت أن الأسيرة كانت مجندة وتم أسرها خلال هجوم سابق.
وبعد يومين من الضغوط والاحتجاجات، سمحت القوات الاحتلال بعودة النازحين، لكن التأخير كان له بالغ الأثر على حياة المدنيين وعلى توزيع المساعدات الإنسانية، مما زاد من معاناة السكان المحليين.
تأخير إطلاق سراح دفعة الأسرى الأولى
ضمن إطار صفقة تبادل الأسرى التي تم الاتفاق عليها على مراحل، قامت حكومة الاحتلال بتأخير إطلاق سراح 90 أسيرًا فلسطينيًا من الدفعة الأولى لمدة تقارب 7 ساعات.
وقد تمت هذه العملية في ساعات الفجر الأولى، أي في جنح الليل، مما أعاق احتفالات عائلات الأسرى والجماهير الفلسطينية عند استقبالهم.
كما أفادت تقارير أن مكتب الأسرى التابع لحركة المقاومة أشار إلى وجود خلل في قائمة الأسرى المفرج عنهم، مما أثار المزيد من الشكوك حول جدية تطبيق الاتفاق.
تُظهر هذه الخطوة كيف أن التأخير المتعمد قد يُستغل لتأجيج الإحباط النفسي لدى الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي يُستخدم فيه هذا الإجراء لتبرير استمرار السياسات الأمنية والسياسية التي تخدم مصالح القيادة.
تأجيل إطلاق سراح دفعة الأسرى السابعة
لم تقف خروقات نتنياهو عند تأخير إطلاق سراح دفعة الأسرى الأولى، بل أعلن مكتب رئيس الوزراء تأجيل إطلاق دفعة الأسرى السابعة تحت ذريعة انتهاكات متكررة من قبل المقاومة.
وقد جاء البيان الرسمي مؤكدًا أن التأجيل سيتم “حتى يتم ضمان إطلاق سراح الرهائن التاليين ومن دون المراسم المهينة”، في إشارة إلى مراسم تسليم الأسرى التي وُصفت بأنها تُسيء إلى كرامة الرهائن، وهو ادعاء كاذب من نتنياهو.
التهرب من بدء مفاوضات المرحلة الثانية
وفقاً لنص اتفاق وقف إطلاق النار، كان من المفترض أن تُعقد مفاوضات لتحديد المرحلة الثانية من الاتفاق بحلول اليوم الثاني والعشرين من بدء الهدنة.
إلا أن نتنياهو لم يبادر لبدء هذه المفاوضات، بل ظل يتعمد التأخير وعدم الاستجابة للمبادرات التي يبذلها الوسطاء، ومع اقتراب انتهاء المرحلة الأولى، انتشرت تساؤلات في الأوساط الإسرائيلية حول مستقبل الاتفاق؛ هل ستنتقل الأمور إلى مرحلة جديدة أم سيعود الوضع إلى دوامة الحرب؟
تشير المناقشات إلى أن بعض الأصوات داخل الدولة ترى ضرورة إنهاء حكم حركة حماس في غزة، بينما تبدي حركة المقاومة مرونة في موضوع تسليم الحكم إلى لجنة فلسطينية مستقلة بعد اتفاقها مع السلطة الفلسطينية. في هذه اللعبة السياسية، يُستغل التهرب من بدء المفاوضات كوسيلة لتأخير اتخاذ قرارات قد تكشف عن نقاط ضعف في النظام السياسي الحالي.
استمرار إطلاق النار والقصف
على الرغم من إعلان وقف العمليات العسكرية، استمرت القوات الإسرائيلية في شن هجمات بالقصف وإطلاق الرصاص في عدة مناطق داخل قطاع غزة، خاصةً في المناطق الوسطى والجنوبية من مدينة رفح وعلى طول الشريط الحدودي الشرقي.
هذه الأعمال العدائية المتكررة أدت إلى سقوط عشرات الشهداء وجرحى بين المدنيين، إلى جانب تدمير واسع للمنازل السكنية في المناطق الحيوية.
استمرار هذه العمليات يُظهر تجاهل نتنياهو لآثارها الإنسانية، ويُبرز أن وقف إطلاق النار أصبح مجرد إجراء شكلي يُستخدم كغطاء لتأجيل تنفيذ الاتفاقات المبرمة مع الفلسطينيين.
لعبة سياسية لتأمين المستقبل السياسي
يتضح من خلال تحليل سلسلة الإجراءات أن سياسة التأخير والمماطلة التي يتبعها نتنياهو ليست إلا استراتيجية متعمدة للتهرب من استحقاقات الاتفاق، بهدف تأمين بقائه في السلطة والحفاظ على مستقبله السياسي.
يرى محللون إسرائيليون أن هذه الخطوات جاءت بدوافع حزبية تتعلق بمحاولات ضمان استمرار نتنياهو في منصبه وسط صراعات داخلية وضغوط من التيارات اليمينية المتطرفة.
إذ يُظهر تأخير بدء الهدنة وتعطيل عودة النازحين وتأجيل إطلاق الأسرى ورفض بدء مفاوضات المرحلة الثانية كأمثلة على استخدام المماطلة كأداة لتحقيق مكاسب سياسية، دون اعتبار للتكاليف البشرية والمعاناة التي يتكبدها الشعب الفلسطيني.
الخلاصة أن نتنياهو الذي خسر الحرب وعاد بخفي حنين ولم يحقق أي من أهدافها يحاول الآن الهروب من الاتفاق ليستمر في منصبه السياسي لأنه يعمل تمام العلم أنه قد يحاكم فور تركه المنصب.
اقرأ أيضًا : “حكومة في الظل”.. حميدتي ماضٍ نحو تقسيم السودان بدعم إماراتي؟