فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ثلاث من أبرز منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية لمجرد لجوئها إلى المحكمة الجنائية الدولية لمطالبتها بالتحقيق في جرائم إسرائيل في غزة، في خطوة وُصفت بأنها عداء صريح للعدالة الدولية وانحياز مطلق للاحتلال.
المنظمات المستهدفة هي: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومركز الميزان لحقوق الإنسان، وكلاهما مقره في غزة، ومؤسسة الحق في رام الله. هذه المراكز الثلاثة تُعد من أبرز الهيئات الحقوقية الفلسطينية، وقد لعبت دوراً محورياً خلال العامين الماضيين في توثيق جرائم الحرب والانتهاكات الإسرائيلية.
بحسب بيان الخزانة الأمريكية، فإن العقوبات مرتبطة بما سمّته “تصنيفات متعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية”. لكن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ذهب أبعد من ذلك، مؤكداً أن العقوبات جاءت لأن هذه المنظمات “تورطت بشكل مباشر في جهود المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق أو اعتقال أو محاكمة إسرائيليين، من دون موافقة إسرائيل”.
هذه الخطوة تعني عملياً عرقلة أي تعاون دولي مع هذه المراكز، وتجفيف مواردها، وتهديد حياة موظفيها، في وقت يواجه فيه قطاع غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة.
المنظمات الفلسطينية الثلاث تقدمت في نوفمبر 2023 بطلب رسمي إلى المحكمة الجنائية الدولية، طالبت فيه بالتحقيق في قصف إسرائيل للمناطق السكنية المكتظة، وفي الحصار الشامل المفروض على القطاع، وفي عمليات التهجير القسري. ومنذ ذلك الحين، تفاقمت المأساة بشكل غير مسبوق: أزمة تجويع جماعي، تدمير أكثر من 80% من البنية التحتية، ووصول عدد الشهداء من نحو 10 آلاف في ذلك الوقت إلى أكثر من 64 ألفاً حتى اليوم.
المنظمات الثلاث أصدرت بياناً مشتركاً عقب العقوبات، واصفة القرار الأمريكي بأنه “غير أخلاقي، وغير قانوني، وغير ديمقراطي”، مؤكدة أن الولايات المتحدة لم تكتف بحماية الاحتلال من أي مساءلة، بل باتت تعاقب الضحايا ومن يمثلهم أمام العدالة الدولية.
الأحداث الأخيرة في غزة تفضح حجم الانتهاكات التي تحاول واشنطن التغطية عليها. ففي الأسبوعين الماضيين، شنّ الجيش الإسرائيلي غارتين متتاليتين على مستشفى ناصر في خان يونس، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً بينهم خمسة صحفيين. تحقيق لوكالة أسوشييتد برس كشف أن مبررات إسرائيل كانت كاذبة، وأن الكاميرا التي ادّعت أنها وسيلة رصد لحماس تعود في الحقيقة لمصور يعمل لدى وكالة رويترز. الأخطر أن الضربة الثانية جاءت بعد وصول المسعفين لمعالجة الجرحى، فيما يُعرف بتقنية “الضربة المزدوجة” التي استخدمتها القاعدة ونظام الأسد.
المحكمة الجنائية الدولية من جانبها أصدرت لاحقاً مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، إضافة إلى قيادي في حماس، بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. إلا أن مكتب نتنياهو وصف القرار بأنه “معادٍ للسامية” ورفضه بالكامل.
في المقابل، يظهر بوضوح أن واشنطن لا تتردد في معاقبة أي طرف يحاول تفعيل القانون الدولي ضد إسرائيل، حتى لو كان ذلك عبر المحكمة الجنائية الدولية، المؤسسة القضائية العليا في العالم. وهو ما يكشف أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بدعم الاحتلال عسكرياً وسياسياً، بل أصبحت شريكاً في قمع كل صوت يسعى للمحاسبة والعدالة.