في تحول لافت في الخطاب الإسرائيلي، أقرّت أوساط سياسية ودبلوماسية داخل تل أبيب بأن الدولة العبرية فشلت في صياغة سياسة فعالة تجاه سوريا، رغم أكثر من عقد من الضربات العسكرية والتدخلات غير المباشرة. ومع تصاعد النفوذ التركي في الساحة السورية، خاصة بعد التغييرات السياسية المفاجئة التي أطاحت ببشار الأسد وفق ما تزعم بعض التقارير، تعيش إسرائيل حالة ارتباك استراتيجي حقيقي، في ظل عجزها عن فرض توازن قوى يخدم مصالحها.

 من الفوضى إلى الإقصاء: خروج إيران وصعود تركيا

بحسب السفير الإسرائيلي السابق مايكل هراري، فإن التطورات الأخيرة في سوريا، وعلى رأسها تراجع النفوذ الإيراني وسقوط نظام الأسد، جاءت دون مشاركة أو تأثير إسرائيلي فعلي، وهو ما وصفه بـ”الواقع الذي فُرض على إسرائيل دون أن تشكّله”.

فخروج طهران المفترض من المعادلة السورية كان يمكن أن يُمثّل مكسبًا لتل أبيب، لولا أن البديل جاء أكثر تعقيدًا: نفوذ تركي متصاعد عبر زعيم سوري جديد يحظى بدعم أنقرة، ومقبول عربيًا وغربيًا.

 تل أبيب تفقد السيطرة على الجبهة الشمالية

خلال السنوات الماضية، اعتمدت إسرائيل على استراتيجية الضربات الجوية المحدودة، واستغلال الفراغ الأمني في الجنوب السوري لضرب البنية التحتية الإيرانية. لكن هذه الاستراتيجية، وفق تحليل نُشر في صحيفة معاريف، أخفقت في بلورة واقع سياسي جديد يخدم مصالح الاحتلال، خصوصًا مع سرعة المتغيرات الإقليمية وتغير الأولويات الدولية في ظل الحرب على غزة.

 تركيا على طاولة القلق الإسرائيلي

ورغم تدهور العلاقات التركية-الإسرائيلية نتيجة موقف أنقرة الصريح من الحرب في غزة، تُطرح اليوم في تل أبيب أصوات تدعو للتقارب مع أنقرة من بوابة الملف السوري، باعتبار أن النفوذ التركي، رغم كونه مصدر قلق، يبقى أقل خطورة من الوجود الإيراني.

ويتحدث المسؤولون عن قنوات اتصال تُدار بوساطة أمريكية وأذربيجانية، لإيجاد نقاط تلاقٍ بين أنقرة وتل أبيب بشأن ترتيبات مستقبل سوريا.

 هل تخسر إسرائيل المعركة السياسية بعد العسكرية؟

الخبير الأمني يهودا بالانغا أشار في مقال بـإسرائيل اليوم إلى أن إسرائيل تواجه اليوم فراغاً استراتيجياً أخطر من إطلاق الصواريخ: غياب رؤية طويلة المدى، وعجز عن التكيّف مع خريطة سياسية تتغير بسرعة في سوريا، وشرق المتوسط، بل وحتى في الغرب.

وأكد أن فشل تل أبيب في تحويل تدخلها العسكري إلى مكاسب سياسية، إضافة إلى خسائرها في غزة، يكشف عن خلل بنيوي في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، الذي لا يزال مهووسًا بالتكتيك اليومي دون بناء تحالفات إقليمية فاعلة أو بدائل موثوقة.

بين تراجع النفوذ الإيراني، وصعود لاعب تركي بثقل إقليمي، تقف إسرائيل عاجزة أمام مشهد سوري جديد تشكّله قوى غيرها. وهي تحاول اليوم، رغم قلقها من أنقرة، أن تُمسك بخيط الحوار المشترك عبر الملف السوري، لا حباً في التقارب، بل هروبًا من العزلة السياسية التي تتسع في الشمال كما في غزة.

اقرأ أيضا: انتصار لإرادة الشعب.. رسميا رفع العقوبات عن سوريا