في تطور جديد يعكس تصعيدًا لافتًا في نهج الولايات المتحدة تجاه اليمن، شنت الطائرات الأمريكية، مساء أمس السبت، 16 غارة جوية متفرقة استهدفت مناطق عدة في محافظتي صعدة وصنعاء، في إطار سلسلة ممتدة من الغارات التي تواصلت على مدار الأيام الماضية.
وتقول واشنطن إن هذه الضربات تستهدف مواقع تابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين)، غير أن التقارير القادمة من الميدان تشير إلى أن المدنيين والبنية التحتية الحيوية هم من يدفعون الثمن الأكبر لهذا التصعيد، وسط تزايد الاتهامات بأن هذه العمليات تدخل في سياق دعم مباشر لحرب الإبادة الجارية في قطاع غزة.
الضربات الجوية تطال المدنيين والبنية التحتية
بحسب وسائل إعلام تابعة لجماعة الحوثي، فإن الطيران الأمريكي استهدف منطقة جوار جبل النبي شعيب في مديرية بني مطر غرب العاصمة صنعاء بثلاث غارات جوية، كما شنت ثلاث غارات أخرى شرق مدينة صعدة، إلى جانب أربع غارات على مديرية آل سالم الواقعة في المحافظة نفسها.
ويأتي ذلك بعد يوم واحد فقط من غارات مماثلة على محافظتي عمران وصعدة، ألحقت دمارًا واسعًا بمحطات الاتصالات، وفقًا لبيان صادر عن وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات التابعة لحكومة الحوثيين.
وأكد البيان أن الغارات دمرت بشكل كامل شبكات الاتصالات والبث، مما تسبب في خروج خدمات الاتصالات والإنترنت في مناطق واسعة، وحرمان عشرات الآلاف من المواطنين من تلك الخدمات الأساسية.
ورغم إعلان واشنطن أن غاراتها تستهدف “أهدافًا عسكرية”، إلا أن الواقع الميداني يظهر أن المدنيين والبنية التحتية المدنية هم المتضرر الأكبر من هذا العدوان، مما يطرح تساؤلات ملحة حول مصداقية المزاعم الأمريكية ومدى التزامها بالقانون الدولي الإنساني.

عملية شاملة وتحوّل في الاستراتيجية الأمريكية
المثير في المشهد أن هذه العملية تبدو أكثر شمولًا واتساعًا مقارنة بما كان عليه الحال خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، بحسب ما ذكرته وكالة “أسوشيتد برس”، والتي أشارت إلى أن واشنطن انتقلت من استهداف منصات إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ، إلى تنفيذ ضربات عميقة داخل المدن اليمنية، واستهداف كبار المسؤولين، ما يشير إلى تحوّل استراتيجي خطير في التعاطي الأمريكي مع الملف اليمني.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية بحسب الوكالة وجود مهبط للطائرات قبالة سواحل جزيرة ميون، وسط مضيق باب المندب، يبدو أنه بات جاهزًا لاستقبال الطائرات، في مؤشر على رغبة أمريكية في تعزيز وجودها العسكري بالمنطقة.
كما تم نقل أربع قاذفات استراتيجية إلى قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، بينما تتجنب واشنطن استخدام قواعد حلفائها في الشرق الأوسط، خشية تعريضهم للانتقام أو التصعيد.
وفي سياق متصل، توجهت حاملة الطائرات “كارل فنسن” من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط، مما يعكس تحركًا أمريكيًا واسع النطاق لتعزيز الجبهة العسكرية في المنطقة، في وقت تعيش فيه جبهات الشرق الأوسط على صفيح ساخن، من البحر الأحمر إلى غزة وسوريا ولبنان.
دعم أمريكي مباشر للإبادة في غزة
تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أعلن فيها يوم 15 مارس الجاري عن “هجوم كبير” ضد الحوثيين، وأتبعه بتهديد صريح بـ”القضاء عليهم تمامًا”، تؤكد بوضوح أن هذه الغارات ليست مجرد عمليات ردع محدودة، بل تأتي ضمن أجندة أوسع تسعى من خلالها واشنطن لإعادة تشكيل معادلات النفوذ الإقليمي لصالحها ولصالح حليفها الإسرائيلي.
ففي الوقت الذي تواصل فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي عدوانها الوحشي على قطاع غزة، منذ استئناف حرب الإبادة في 18 مارس، تأتي هذه الغارات لتخدم بشكل مباشر أهداف إسرائيل، إذ إنها تسعى لتقويض قدرات الحوثيين الذين استأنفوا ضرباتهم ضد إسرائيل وسفن مرتبطة بها في البحر الأحمر، تضامنًا مع غزة.
وعليه، فإن الغارات الأمريكية المتواصلة على اليمن لا يمكن فصلها عن دعم واشنطن للإبادة الجماعية الجارية في غزة.
فبينما تزود إسرائيل بالأسلحة والدعم الدبلوماسي في الأمم المتحدة، تتولى بنفسها ضرب القوى المناهضة لتلك الإبادة، سواء في اليمن أو العراق أو سوريا.
وهذا يضع الإدارة الأمريكية في موضع الشريك الكامل في الجريمة، وليس مجرد طرف في نزاع إقليمي.
اليمن ساحة صراع دولي تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”
الغارات الأمريكية الأخيرة على اليمن تكشف بوضوح كيف تحوّلت البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية، تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب” و”حماية الملاحة الدولية”.
لكن الواقع يفضح هذا الخطاب، حيث أن الأهداف الفعلية هي ضرب قوى المقاومة التي تقف إلى جانب غزة، وإخضاع اليمن مجددًا للهيمنة الأمريكية.
ومع استمرار سقوط المدنيين وتدمير البنية التحتية، يبقى السؤال المطروح: إلى متى سيظل المجتمع الدولي صامتًا أمام هذا العدوان المزدوج؟ وهل باتت معاناة اليمنيين وغزة مجرد أدوات في معركة النفوذ الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة؟
اقرأ أيضًا : البحر الأحمر تحت النار: 75% من شحنات أمريكا تهرب من الحوثيين