في تحذير خطير يعكس حجم الكارثة المقبلة، كشف تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن اليمن يوشك أن ينزلق إلى أزمة غذائية غير مسبوقة، بفعل موجة جفاف قاسية وارتفاع شديد في درجات الحرارة، بالتزامن مع انهيار سبل العيش الزراعية.
التقرير، الذي نُشر أواخر يونيو، لم يكن فقط إنذارًا مناخيًا، بل كان شهادة دامغة على تداعيات الحرب الممتدة، والتي ساهمت في تعميقها تدخلات خارجية أبرزها الدور التخريبي لدولة الإمارات عبر دعم ميليشيات وتمزيق مؤسسات الدولة.

مناخ قاتل يهدد الزراعة ومصير اليمنيين
شهد شهر مايو/أيار الماضي جفافًا غير معتاد في معظم المناطق الزراعية باليمن، تزامن مع ارتفاع حاد في درجات الحرارة، حيث تجاوزت 42 درجة مئوية في مناطق الشرق والساحل، ما أدى إلى تفاقم التبخر وانخفاض رطوبة التربة، بحسب تقرير الفاو لنظام معلومات الأمن الغذائي والإنذار المبكر. هذا المشهد الكارثي تكرّر حتى في المرتفعات المعروفة باعتدال مناخها.
الأمطار، التي يعتمد عليها غالبية اليمنيين في الزراعة الموسمية، تراجعت بنسبة تتراوح بين 10% إلى 25% من المعدلات الطبيعية. وأظهر الغطاء النباتي علامات مبكرة على الإجهاد، ما يهدد بفشل الموسم الزراعي الرئيسي، ويفتح الباب أمام مجاعة متدحرجة قد تطال أكثر من نصف السكان.
ويعد الجفاف هذا العام الأشد منذ عقدين، حيث يعاني اليمنيون من نقص حاد في الأعلاف، وارتفاع هائل في أسعار المدخلات الزراعية والوقود، مما فاقم هشاشة سبل العيش، وخاصة في المناطق الريفية التي تمثل العمود الفقري لإنتاج الغذاء المحلي.
انهيار اقتصادي ومناخ سياسي خانق
التحذيرات المناخية لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والأمني، حيث تشهد البلاد منذ عام 2015 حربًا طاحنة شلت كل مفاصل الاقتصاد، ودفعت الدولة إلى حافة الانهيار. ووفق تقرير الفاو الأخير حول السوق والتجارة اليمنية، فإن “أكثر من 18 مليون يمني” سيواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي بحلول فبراير/شباط 2026، أي ما يتجاوز 50% من السكان.
وتعود جذور هذه الكارثة إلى مجموعة من العوامل البنيوية والسياسية، من بينها انهيار العملة، وتراجع التحويلات المالية، وغياب سياسات اقتصادية فاعلة، بالإضافة إلى انخفاض الصادرات النفطية التي تمثل مصدر الدخل الرئيس للدولة اليمنية. وقد فاقمت التدخلات الخارجية من تعقيد المشهد، خاصة من قبل دولة الإمارات التي سعت إلى هندسة نفوذ ميليشيوي في الجنوب والساحل الغربي، ضاربة عرض الحائط بوحدة المؤسسات اليمنية.
في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا، أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى موجات متتالية من الغلاء طالت المواد الغذائية الأساسية، بينما في مناطق سيطرة الحوثيين تدهورت الأجور بشدة، ما حدّ من القدرة الشرائية. كل ذلك يحدث في ظل خفض مستمر للمساعدات الإنسانية، وتعليق عدد من برامج الإغاثة، ما يترك ملايين اليمنيين في مواجهة مصير مجهول.
الإمارات.. بصمات واضحة في تدمير الأمن الغذائي
من بين أكثر العوامل المساهمة في تعميق الأزمة اليمنية، يبرز التدخل العسكري الإماراتي كعامل تخريبي مركزي. فمنذ بداية تدخلها في الحرب ضمن “التحالف العربي”، لم تكتفِ الإمارات بضربات جوية مدمرة، بل سعت لتأسيس ميليشيات موالية لها في جنوب اليمن، على حساب مؤسسات الدولة اليمنية. تلك الميليشيات المدعومة إماراتيًا استولت على موارد حيوية كموانئ عدن والمكلا والضبة، ومنعت تصدير النفط مرارًا لأغراض سياسية، ما حرم الدولة من مداخيل تقدر بمئات الملايين من الدولارات.
ولم يقتصر تأثير الإمارات على الجانب السياسي، بل امتد إلى تمزيق البنية الاقتصادية للدولة. عبر أدواتها المحلية، سعت إلى تعطيل صادرات الحبوب والقمح عبر موانئ البحر العربي، واستبدالها بخطوط إمداد تجارية تتحكم فيها أبو ظبي، ما رفع كلفة الاستيراد وأثر على أسعار السوق المحلي.
كما مارست الإمارات ضغوطًا على بعض المنظمات الدولية، لإعادة توجيه المساعدات بعيدًا عن المناطق التي لا تسيطر عليها أدواتها السياسية، ما حرم آلاف الأسر من الغذاء، وعمّق الانقسام الجغرافي في الأمن الغذائي.
واللافت أن التدخل الإماراتي ترافق مع حملات ترويج إعلامية تصور أبو ظبي كراعٍ للمساعدات الإنسانية في اليمن، رغم أنها ساهمت فعليًا في خلق الكارثة، مستخدمة المال كسلاح سياسي، والمساعدات كغطاء للتغلغل العسكري والسيطرة الاقتصادية.
ماذا بعد؟ خريطة مجاعة بلا منقذ واضح
اليمن اليوم على حافة مجاعة، لا نتيجة للمناخ وحده، بل لتشابك عوامل اقتصادية وسياسية ومناخية، في ظل عجز دولي عن التدخل الجاد. وأكد تقرير الفاو أن استمرار النزاع والتدخلات الخارجية دون حل سياسي متكامل سيجعل من الأمن الغذائي تحديًا وجوديًا، لا إنسانيًا فقط.
وطالبت المنظمة بتوفير تمويلات عاجلة من الدول المانحة لبرامج الغذاء، وزيادة الدعم النقدي المباشر للفئات الأشد فقرًا، إضافة إلى رفع القيود المفروضة على التجارة، وضمان حرية تدفق السلع عبر الموانئ والمنافذ.
لكن أي تحرك جاد يستدعي قبل كل شيء إعادة الاعتبار لسيادة الدولة اليمنية على مواردها وموانئها، ووقف التدخلات الإماراتية التي تمارس احتلالًا ناعمًا على الجغرافيا والثروات، تحت غطاء “التحالف”، بينما تجوّع اليمنيين ببطء وتُشعل فتيل التناحر الداخلي.
في نهاية المطاف، لا يمكن الحديث عن حلول غذائية دون معالجة الجذر السياسي للصراع، والكف عن دعم الميليشيات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإلا فسيبقى اليمن رهينة الكارثة، ينتظر موسم أمطار لا يأتي، ومساعدات لا تكفي، وعدالة دولية لا تتحرك.
اقرأ أيضا : حماس تدعو لتشكيل لجان صد شعبي ورسمي بالضفة: غياب السلطة وتغوّل المستوطنين يشعلان الجبهة الثانية