في خطوة كشفت عن هشاشة القرار السيادي المصري أمام الضغوط الخارجية، أثار حكم قضائي أصدرته محكمة شرم الشيخ بشأن النزاع على دير سانت كاترين، موجة استياء رسمي وشعبي في اليونان، ما دفع القاهرة إلى سلسلة من التطمينات السياسية والدبلوماسية، عكست حالة التذبذب في إدارة النظام المصري لهذا الملف الحساس، الذي تداخلت فيه الأبعاد العقارية والدينية مع المصالح الاستراتيجية في شرق المتوسط.

تصعيد يوناني… ورد مصري مرتبك
جاء الحكم المصري الصادر في 29 مايو الماضي ليقضي بأحقية رهبان الدير في الانتفاع بالمواقع الأثرية والدينية المحيطة به، مع احتفاظ الدولة المصرية بملكيتها العامة لها.
ورغم أن هذا الحكم يبدو متوازناً قانونياً في ظاهره، إلا أن اليونان اعتبرته التفافاً على اتفاقات سابقة تم التوصل إليها مع القاهرة، خصوصاً ما يتعلق بحقوق ملكية الدير لـ71 عقاراً في المنطقة، وهو ما أكده ممثل الدير في أثينا الأرشمندريت بورفيريوس فرانغاكوس.
الرد الرسمي اليوناني لم يتأخر، حيث سارع رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى الاتصال بالسيسي، طالباً منه الالتزام الصريح بما تم الاتفاق عليه خلال زيارة الأخير إلى أثينا في مايو الماضي، خصوصاً في ما يتعلق بالحفاظ على “الطابع الأرثوذكسي اليوناني” للدير.
ولم تجد الرئاسة المصرية بداً من إصدار بيان توضيحي أكدت فيه أن الحكم لا يمس قدسية أو وضع الدير، بل “يعزز مكانته التاريخية”، وهي لهجة دفاعية عكست الارتباك الواضح في إدارة الأزمة.
ضعف داخلي واستقواء خارجي
تُظهر هذه الأزمة مدى قابلية النظام المصري للتأثر بالضغوط الخارجية، لا سيما حين تصدر عن حلفاء استراتيجيين مثل اليونان، التي تتقاطع مصالحها مع القاهرة في ملفات حيوية مثل ترسيم الحدود البحرية، والربط الكهربائي، ومواجهة النفوذ التركي في المتوسط. وبدلاً من التمسك بالحكم القضائي باعتباره شأناً سيادياً، فتحت مصر باب التفاوض السياسي مجدداً حول ملف يفترض أنه حُسم قانونياً.
هذا التراجع الفعلي أمام الطرف اليوناني يكشف ضعفاً في قدرة النظام على حماية مؤسسات الدولة، وعلى رأسها السلطة القضائية، من تدخلات خارجية، وهو ما يثير مخاوف من تحوّل مصر إلى طرف تابع في المعادلات الإقليمية، يتنازل عن قراراته السيادية كلما استدعت المصالح السياسية.
الردود المصرية، سواء من الرئاسة أو الخارجية، لم تنجح في تهدئة الخطاب التصعيدي داخل اليونان، حيث وُصفت القضية بأنها “وجودية” للدير، واستغلها بعض السياسيين اليونانيين للهجوم على الحكومة الحالية، في حين تحدث رئيس الوزراء الأسبق أنطونيس ساماراس عن “تهميش اليونان على الساحة الدولية”، محاولاً استغلال الملف للعودة إلى الواجهة.
توتر ديني يخفي صراعًا جيوسياسيًا
خلف السجال الظاهري حول دير سانت كاترين، تتوارى اعتبارات أعمق تتعلق بالمكانة الاستراتيجية للمنطقة في قلب سيناء، والتي تشهد مشروعاً حكومياً ضخماً تحت عنوان “التجلي الأعظم”، يهدف لتحويل سانت كاترين إلى مركز للسياحة الدينية والبيئية.
ويسعى النظام المصري من خلال هذا المشروع إلى تسويق صورة جديدة للمنطقة كوجهة روحانية عالمية، إلا أن هذا الطموح يصطدم بحساسية دينية وتاريخية مرتبطة بالدير الذي يُعد من أقدم الأديرة المأهولة في العالم، ومكاناً مقدساً لدى أتباع الديانات السماوية الثلاث، لا سيما المسيحية الأرثوذكسية.
وفيما تسعى الحكومة إلى تطوير المنطقة بإشراف مباشر من السيسي، تبرز المخاوف من أن تؤدي عمليات التطوير الجارية إلى تغيير في هوية المكان، أو تقليص صلاحيات الرهبان اليونانيين، ما يدفع اليونان إلى التشدد في موقفها، ليس فقط دفاعاً عن الرهبان، بل حفاظاً على نفوذ ديني ممتد في قلب الأراضي المصرية.
اتفاق مرتقب لتجميل الصورة
ورغم ما يبدو من توتر دبلوماسي، رجّحت مصادر يونانية وإعلامية أن تؤدي هذه الأزمة إلى توقيع اتفاق ثنائي جديد خلال الأيام القادمة، يهدف إلى تثبيت الوضع القائم للدير، وضمان بقاء الطابع الأرثوذكسي له، في محاولة لتجاوز الخلاف دون إحداث قطيعة سياسية بين البلدين.
غير أن هذا الاتفاق – إن تم – سيكون بمثابة تنازل مصري جديد، يؤكد أن النظام بات يفضّل التهدئة على حساب الاستقلال القانوني، خاصة مع ارتفاع وتيرة تدخل بعض الدول في الشؤون المصرية، سواء عبر المساعدات، أو النفوذ الديني، أو حتى عبر الضغوط الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والاعتقالات السياسية.
دلالات أبعد من دير
يتجاوز الجدل حول دير سانت كاترين حدوده الظاهرية، ليطرح سؤالاً أكبر عن مدى استقلال القرار المصري في عهد السيسي، وقدرة الدولة على الدفاع عن مؤسساتها أمام تدخلات شركاء استراتيجيين. كما يسلّط الضوء على ضعف بنية التفاوض الداخلية، التي غالباً ما تنحني للابتزاز الدبلوماسي بدلاً من اعتماد سياسات حازمة تحترم السيادة الوطنية.
وبينما تنشغل القاهرة في تقديم التطمينات للجانب اليوناني، يغيب الحديث عن حقوق الدولة في فرض هيبتها على أرضها، حتى وإن كان ذلك في مواجهة حلفاء.
وهذا الضعف في الحسم يؤشر إلى خلل أعمق في النظام الحاكم، حيث لا تتسق القرارات القضائية مع السياسات التنفيذية، ولا تملك الحكومة الجرأة لفرض كلمتها دون الالتفاف على نصوص القانون.
في النهاية، يظل دير سانت كاترين عنوانًا لأزمة أكبر، عنوانها الحقيقي: أين تقف مصر حين تُختبر سيادتها؟
اقرأ أيضًا : عاصفة الإسكندرية تكشف هشاشة البنية التحتية في عهد السيسي