كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” في تقرير صادم، أن متوسط عدد الأطفال الذين يُقتلون يوميًا في قطاع غزة قد بلغ 28 طفلًا، ما يعادل صفًا دراسيًا كاملًا يُمحى من الوجود كل يوم بسبب قصف الاحتلال الإسرائيلي وتجويعه الممنهج للمدنيين، في حرب وصفتها الأمم المتحدة بالإبادة الجماعية المستمرة منذ أكثر من 660 يومًا.

وقالت المنظمة الأممية إن الأطفال في غزة يواجهون “الموت تحت القصف، وسوء التغذية، والجوع، ونقص المساعدات والخدمات الحيوية”. وأضافت: “أطفال غزة بحاجة إلى الغذاء والماء والدواء والحماية. والأهم من ذلك كله، هم بحاجة إلى وقف إطلاق النار، الآن”.

في عبارة قصيرة لكنها تختزل مأساة أمة، تُعرّي اليونيسف بوضوح الصمت الدولي المتواطئ، وتفضح ممارسات الاحتلال الذي لا يكتفي بسفك الدماء عبر الطائرات والصواريخ، بل يحوّل الغذاء والماء إلى أدوات قتل، ويحوّل انتظار لقمة العيش إلى موعد مع المقصلة.

سياسة التجويع: رصاصة بطيئة تنخر أجساد الأطفال

بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة تؤكد ارتفاع عدد ضحايا “سياسة التجويع” التي تنتهجها إسرائيل إلى 180 شهيدًا، بينهم 93 طفلًا، وهي سياسة بدأت تتضح معالمها مع بداية الحصار المشدد منذ مارس الماضي، حين أغلق الاحتلال كل المعابر الإنسانية، ومنع إدخال المساعدات، خصوصًا الغذائية والطبية، إلى أكثر من مليوني إنسان محاصر.

وتوضح تقارير الأمم المتحدة أن الاحتلال لم يكتفِ بحرمان السكان من الغذاء، بل قام بـ”عسْكرة” عملية توزيع المساعدات الإنسانية، حيث قتل أكثر من 1500 فلسطيني منذ مايو الماضي أثناء محاولتهم الحصول على الطعام. وأظهرت البيانات أن 1516 شخصًا استشهدوا بنيران جيش الاحتلال أثناء تجمعهم على نقاط توزيع المساعدات التي تديرها ما تُعرف بـ”مؤسسة غزة للمساعدات”، والتي تعمل بإشراف إسرائيلي مباشر.

وتشير الأرقام إلى إصابة أكثر من 10 آلاف فلسطيني خلال انتظارهم للمساعدات، ما يجعل من مشاهد طوابير الجوع مكانًا للموت الجماعي، وسط غياب كامل لأي حماية أممية.

الإبادة المستمرة: جريمة حرب متعددة الأدوات

منذ السابع من أكتوبر 2023، تواصل إسرائيل ارتكاب جرائم ممنهجة في قطاع غزة، على رأسها الإبادة الجماعية والتجويع، بدعم مباشر من الولايات المتحدة. أكثر من 210 آلاف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، سقطوا تحت نيران القصف، أو ماتوا جوعًا، أو طُمروا تحت الأنقاض، في واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

وفي يوم الاثنين وحده، سُجل استشهاد 22 فلسطينيًا، بينهم 10 من منتظري المساعدات، في قصف غاشم استهدف المدنيين في غربي رفح ووسط القطاع. كما استشهد 6 وأُصيب 50 آخرون في قصف استهدف مركزًا لتوزيع المساعدات الأمريكية قرب محور نتساريم، فيما استشهد 3 آخرون في حي الشجاعية. هذه الأرقام تضاف إلى ما يُعتبر “سجلًا دمويًا” للاحتلال في استهداف المدنيين العزل، خاصة في لحظات بحثهم عن لقمة تسد رمق أطفالهم.

ومن اللافت أن الاحتلال لا يفرّق بين مدني ومقاتل، بل يبدو أن استهداف المدنيين بات هدفًا في حد ذاته، في محاولة لتركيع الحاضنة الشعبية للمقاومة. غير أن ما يحدث، وفق شهادات الناجين، هو عكس ذلك: فكلما زادت المجازر، ازداد الصمود، واشتد الغضب الشعبي الفلسطيني والعربي والدولي ضد الاحتلال.

أطفال غزة.. من الضحايا إلى أيقونات المقاومة

لا يقتصر الحديث عن أطفال غزة اليوم على أنهم ضحايا فقط، بل باتوا أيقونات للمأساة وللصمود في آن واحد. صور الأطفال الجوعى، والهياكل العظمية لأجسادهم الهزيلة، والعيون الغائرة التي لا ترى سوى الموت، باتت لغة احتجاج عالمي تصفع جبين الصامتين وتربك دعاة الإنسانية الزائفة.

فالطفل في غزة لا يموت مرة واحدة، بل مرات ومرات: حين يُحرم من الدواء، وحين يُقصف منزله، وحين ينتظر رغيف خبز فلا يصل، وحين يرى أهله يدفنون إخوته الواحد تلو الآخر. ومع ذلك، يتشبث بالحياة، ويكتب على جدار الجوع: “لن نموت قبل أن نحلم”.

خاتمة: متى يتوقف العدّاد؟

في كل يوم يُقتل فيه 28 طفلًا، لا يتوقف العدّاد فقط عند رقم، بل يتوقف عند جريمة موثقة بالصوت والصورة، بالشهادة الدولية وبالدم المسفوك. لا يمكن للعالم أن يتذرع بالجهل، ولا للمؤسسات الدولية أن تكتفي بالتنديد. ما يحدث في غزة هو جريمة مستمرة، تقترفها إسرائيل على مرأى ومسمع من العالم، والمطلوب اليوم ليس مجرد بيان من اليونيسف، بل خطوات فعلية لوقف المجازر، ومحاسبة الجناة، ورفع الحصار عن الأطفال الذين تحوّلت مدارسهم إلى مقابر وألعابهم إلى رصاصات.

في النهاية، لا يحتاج أطفال غزة إلى الشفقة، بل إلى العدالة، ولا إلى التبرعات، بل إلى قرار شجاع يوقف آلة القتل، ويمنحهم الحق البديهي في الحياة.

اقرأ أيضًا : وفيات الجوع تتصاعد بغزة.. مجازر أمام مراكز المساعدات وتواطؤ مصري مفضوح