في تطور لافت يعكس تصاعد الغضب الشعبي في المملكة العربية السعودية، أعلن ناشطون سعوديون من مدينتي مكة والرياض عن تدشين ما سموه “حركة الملثمين الأحرار”، وهي حركة شبابية تهدف إلى “كسر حاجز الصمت” في مواجهة ما وصفوه بـ”الطغيان والاستبداد المتزايد من قبل نظام آل سعود”، وعلى رأسه ولي العهد محمد بن سلمان.
جاء هذا الإعلان عبر مقاطع فيديو ورسائل تم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي بشكل واسع خلال الأيام القليلة الماضية، حيث ظهر عدد من الشبان بوجوه مغطاة وهم يوجهون رسائل قوية إلى النظام السعودي، مؤكدين أن “زمن الخوف قد انتهى”.
![]()
ولادة الغضب.. صرخة من مكة والرياض
أطلق عدد من الشبان السعوديين شرارة هذه الحركة من قلب العاصمة الرياض ومدينة مكة المكرمة، حيث اختاروا التلثم كرمز للتمرد وكسر القيود، وتجنبًا للملاحقة الأمنية المعروفة بقسوتها في المملكة.
وبحسب البيانات الصادرة عن مؤسسي “الملثمين الأحرار”، فإن هذه الحركة “ليست حزبا سياسيا أو تنظيما مسلحا، بل تيار شعبي يرفض الخنوع، ويهدف إلى إعادة الكرامة للشعب، واستعادة ثرواته المنهوبة”.
ويأتي هذا الحراك بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الدولية والانتهاكات الداخلية التي تزايدت وتيرتها منذ صعود محمد بن سلمان إلى مركز القرار.
إذ يرى الناشطون أن عهد ولي العهد الحالي تميز بـ”سحق الهوية الثقافية والدينية للمجتمع، وبيع القيم مقابل تلميع صورة النظام لدى الغرب”، فضلاً عن التورط في جرائم كبرى محلية وإقليمية.
السياق السياسي: استبداد داخلي وعزلة خارجية
شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة، منذ تولي محمد بن سلمان منصب ولي العهد عام 2017، تحولات غير مسبوقة على المستوى الداخلي.
فقد قام بتفكيك كثير من المؤسسات الدينية والاجتماعية التقليدية التي كانت تمثل هوية البلاد لعقود، وسعى إلى بناء ما يسمى “السعودية الجديدة” القائمة على الترفيه والانفتاح المفرط، ولكن بثمن باهظ.
ففي مقابل “التحرر الاجتماعي” المعلن، صعدت السلطات من قمعها السياسي والأمني. إذ تم اعتقال آلاف الناشطين والدعاة والمثقفين، حتى أولئك الذين كانوا من المحسوبين على المؤسسة الدينية الرسمية.
كما فُرضت الرقابة المشددة على وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وأُغلقت كل أبواب التعبير الحر. ورافق ذلك تدخل سافر في حياة الناس الشخصية، وفرض سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المواطن السعودي بالضرائب والرسوم ورفع أسعار السلع والخدمات.
كما يشير مؤسسو الحركة إلى أن بن سلمان “أفقر البلاد الغنية بالنفط”، بعد أن تورط في مشاريع خيالية مثل “نيوم” وصفقات تسليح ضخمة لم تحقق أي إنجاز يُذكر، بل زادت من ديون الدولة التي تجاوزت حاجز التريليون ريال سعودي، حسب تقارير رسمية. وفي الوقت نفسه، تضاعفت معاناة المواطن العادي الذي يعاني البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، في بلد يمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم.
الرسالة والرمزية: بين الملثم والمقموع
يقول أحد الناشطين الذي ظهر في أحد فيديوهات الحركة: “نحن أبناء هذا الوطن، لم نعد نحتمل إذلالنا، ومصادرة حريتنا، وتجويع أهلنا، وقمع أحلامنا… إننا جيل لم يعرف سوى السجون أو الصمت. واليوم نقرر أن نكسر هذا الجدار”.
الملثمون اختاروا هذا الرمز لعدة أسباب: أولاً، حماية هويتهم من أجهزة الدولة التي تلاحق كل من يعبّر عن رأيه.
وثانيًا، لتوصيل رسالة بأن النظام هو من جعل من أبناء البلد يختارون التلثم لا الكلمة الحرة. فالتلثم هنا لم يكن خيارًا للعداء، بل وسيلة للبقاء على قيد الحياة في وجه من لا يقبل حتى بالنقد السلمي.
ورغم أن الحركة ما زالت في بداياتها، إلا أن انطلاقتها تمثل نقطة تحوّل خطيرة للنظام السعودي الذي طالما افتخر بسيطرته الأمنية الكاملة، وقضائه على أي صوت معارض داخل البلاد.
التحديات المقبلة: بين القمع والتصعيد
لا شك أن رد النظام السعودي لن يكون هينًا، فالتاريخ القريب يروي لنا كيف واجه بن سلمان خصومه بقبضة من حديد.
من مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية المملكة في إسطنبول عام 2018، إلى مئات الإعدامات، وسنوات السجن الانفرادي لنساء ورجال فقط لأنهم طالبوا بالإصلاح.
لكن المفارقة اليوم أن الصوت بدأ يعلو من داخل المملكة، لا من خارجها. وما يجعل “الملثمين الأحرار” تهديدًا حقيقيا، هو أنهم شباب من الداخل، يتحدثون بلسان المواطن المسحوق، ولا يتبعون أيديولوجيا خارجية أو تنظيما دوليا، بل يعبرون عن ألم عميق في نفوس السعوديين.
ولعل هذه الحركة الوليدة، رغم هشاشتها التنظيمية، تحمل في طياتها بوادر تغيير قادم، أو على الأقل، زلزال نفسي لدى السلطة التي اعتادت على الصمت والخوف. فحين يبدأ الشباب في كسر الحواجز، تصبح كل السيناريوهات واردة: من الانتشار إلى القمع، ومن الاحتجاج إلى الانفجار.
هل نشهد ولادة جيل غير خائف؟
يبقى السؤال الأهم: هل ستكون “حركة الملثمين الأحرار” نواة لتحرك شعبي أوسع في السعودية؟ وهل سيصمد هؤلاء الشباب في وجه القبضة الأمنية الغاشمة؟ أم ستكون مجرد ومضة في ظلام الحكم المطلق؟ ما هو مؤكد، أن جدار الصمت قد تشقق، وأن صوت المقموعين بدأ يخرج للعلن، ولو بوجوه مغطاة
اقرأ أيضًا : العفو الدولية تطالب بالإفراج عن الشيخ العودة: بن سلمان مستمر في التنكيل بمعتقلي الرأي