في تطور سياسي وإعلامي لافت، وجّه أعضاء بارزون في مجلس نواب اليهود البريطانيين – أكبر هيئة تمثيلية لليهود في المملكة المتحدة– انتقادات حادة لحكومة الاحتلال الإسرائيلي بسبب استئنافها الحرب على غزة.
الرسالة التي نشرتها صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية، والتي وقعها 36 عضواً، لم تكتفِ بإدانة الحرب فقط، بل كشفت عن شرخ داخلي آخذ في الاتساع داخل الجالية اليهودية البريطانية، في وقت تتصاعد فيه المعارضة العالمية للعدوان الإسرائيلي، وتتنامى عزلة حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة.

أول انقسام علني منذ بدء الحرب: صمت لم يعد محتملاً
الرسالة المفتوحة التي نُشرت هذا الأسبوع جاءت بمثابة إعلان رفض غير مسبوق من داخل الجالية اليهودية البريطانية لسياسات الاحتلال، بعد صمتٍ طويل دام أكثر من 18 شهراً منذ بدء العدوان على غزة.
في كلماتٍ صريحة وغير مألوفة في بيانات المجلس، كتب الأعضاء: “لا يمكننا غضّ الطرف أو الصمت إزاء هذه الخسارة المتجددة في الأرواح وسبل العيش”.
الرسالة، التي حملت نبرة تحذيرية وإنذارية، أكدت أن “روح إسرائيل تُنتزع” بفعل سياسات حكومة الاحتلال المتطرفة، وأضافت: “بصفتنا أعضاء في مجلس نواب اليهود البريطانيين، نخشى على مستقبل إسرائيل التي نحبها ونرتبط بها”.
هذه الكلمات ليست مجرد رأي سياسي بل تعكس صراعاً داخلياً يتفجّر داخل الجاليات اليهودية الغربية بشأن الجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال. لقد باتت آلة الحرب الإسرائيلية عبئاً حتى على من لطالما اعتبروا أنفسهم داعمين لها.
الاحتلال في مواجهة ذاته: المقاومة تحدث شقاقاً داخلياً
نجحت المقاومة الفلسطينية، رغم الحصار والتدمير، في نقل المعركة من ساحة المواجهة العسكرية إلى عمق المجتمعات الداعمة للاحتلال، حتى داخل المجتمعات اليهودية حول العالم.
هذا التحول الاستراتيجي بات واضحاً، حيث أقرّ الموقعون على الرسالة أن ما يحدث في غزة والضفة “يتعارض مع القيم اليهودية”.
بلغة قوية غير معتادة، دانت الرسالة السياسات العنصرية المتطرفة لحكومة نتنياهو، مشيرة إلى أن “التطرف يستهدف أيضاً الديمقراطية الإسرائيلية”، محذّرة من أن “استقلال القضاء يتعرض لهجوم شرس”، وأن “الشرطة باتت تشبه الميليشيات”، في إشارة واضحة إلى تغوّل الأجهزة الأمنية والجيش على الحقوق السياسية داخل الكيان نفسه.
وما يزيد من وقع الرسالة أن بعض الموقعين مثل بارون فرانكال صرّحوا بأن هناك عدداً أكبر بكثير من الأعضاء يشاركونهم الرأي، ولكنهم يخشون إعلان موقفهم، ما يدل على وجود سخط مكتوم وخوف من مواجهة التيار الصهيوني المتطرف داخل المجتمع اليهودي البريطاني.
القيم تنهار تحت وطأة الحرب: الاحتلال يخسر دعم الحلفاء التقليديين
الرسالة دعت بوضوح إلى أن يصدر مجلس النواب بياناً رسمياً يندد باستئناف الهجوم الإسرائيلي على غزة، وهو ما رفضه المجلس في وقت سابق، مما دفع الأعضاء إلى اتخاذ خطوة المعارضة العلنية.
وأكدوا أن “القيم اليهودية تُجبرنا على الوقوف والتحدّث”، في إشارة إلى خيبة الأمل من تحول الاحتلال إلى نظام لا يكترث بالقانون الدولي ولا بقيم حقوق الإنسان.
الرسالة ربطت بين الحرب على غزة والعنف المتصاعد في الضفة الغربية، ووصفت حكومة الاحتلال بأنها “الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان”، مشيرة إلى أنها تشجّع علناً على العنف، وتخنق الاقتصاد الفلسطيني، وتبني المزيد من المستوطنات أكثر من أي وقت مضى.
إن هذا الاعتراف –من داخل أكبر كيان يهودي في بريطانيا– يمثل هزة سياسية تضرب أسس الدعم التقليدي للاحتلال، وتكشف عن ضعف غير مسبوق في شرعيته الدولية والأخلاقية.
الخلاصة: شروخ في جدار الدعم.. والمقاومة تغيّر المعادلة
ليست الرسالة التي وقعها 36 عضواً من مجلس نواب اليهود البريطانيين مجرد موقف رمزي، بل هي مؤشر خطير على فقدان الاحتلال الإسرائيلي لغطائه الأخلاقي حتى في أوساط داعميه التقليديين.
لقد تمكنت المقاومة الفلسطينية، بدماء شهدائها وصمود أهل غزة، من إحداث تأثير عميق في الوعي العالمي، حتى داخل المجتمعات اليهودية الغربية التي لطالما وفرت غطاء سياسياً لجرائم الاحتلال.
وبينما تستمر حكومة نتنياهو في غيّها، توسّعت رقعة الانقسام، ليس فقط داخل “إسرائيل” بل أيضاً داخل الجاليات اليهودية في الخارج. وفي ظل هذا التآكل الأخلاقي، يبدو أن الاحتلال يقترب أكثر من أي وقت مضى من لحظة فقدان الشرعية الكاملة، بعد أن بات حتى “صمت الحلفاء” يُعتبر دعماً للقتل والدمار.