يواصل قطاع غزة الغارق في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة، تسجيل مؤشرات انهيار متتالية داخل القطاع الصحي والخدمات الأساسية، حيث أعلنت وزارة الصحة في غزة أن مخزون الأدوية والمستهلكات الطبية وصل إلى مستويات “كارثية وغير مسبوقة”، بالتزامن مع تفاقم أزمة غاز الطهي التي باتت تهدد حياة أكثر من مليوني إنسان. وتتلاقى هذه الأزمات مع استمرار الحصار الإسرائيلي المشدد الذي حوّل القطاع إلى منطقة منكوبة بالكامل، في ظل غياب أي التزام حقيقي ببنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي نصّ على تدفق ثابت للمساعدات الإنسانية.
![]()
انهيار المنظومة الصحية: مخزون الدواء يلامس الصفر
في بيان شديد اللهجة، أكدت وزارة الصحة أن نصف الأدوية الأساسية تقريباً اختفت من مخازنها، حيث أصبح رصيد 52% من قائمة الأدوية الأساسية صفراً، إلى جانب 71% من المستهلكات الطبية و70% من المستلزمات المخبرية. هذا التراجع الخطير يأتي في لحظة تشهد فيها المرافق الطبية ارتفاعاً هائلاً في أعداد الجرحى والمرضى، مع اتساع دائرة الإصابات الناتجة عن الهجمات الإسرائيلية المتكررة، إضافة إلى عودة انتشار الأمراض الموسمية والمعدية داخل مراكز الإيواء المكتظة.
ووفق البيان، فإن أقساماً مركزية مثل الجراحة والعناية المركزة والعمليات ورعاية السرطان وأمراض الدم تواجه نقصاً حاداً في مستلزمات أساسية لا يمكن العمل دونها، مثل المحاليل الوريدية والمضادات الحيوية المتقدمة ومواد التخدير وأدوات العمليات. أما أقسام جراحة العظام وغسيل الكلى والعيون والجراحة العامة فتعيش وفق وصف الوزارة “تحديات كارثية”، إذ أصبحت الجراحات تُؤجّل بشكل متكرر لعدم توافر الخيوط الجراحية، والصفائح المعدنية، والمرشحات الخاصة بأجهزة غسيل الكلى.
ويكشف هذا الانهيار عن مشهد طبي قاتم، حيث يعمل الأطباء والممرضون بقدرات شبه معدومة، ويضطرون إلى اعتماد بروتوكولات إسعافية بدائية لإنقاذ أرواح كان من الممكن الحفاظ عليها لو توفرت الأدوات اللازمة. كما سجلت المستشفيات ارتفاعاً في حالات بتر الأطراف نتيجة نقص المواد الخاصة بإعادة بناء العظام، إضافة إلى وفاة مرضى السرطان بسبب انقطاع أدوية العلاج الكيميائي.
الحصار الإسرائيلي جوهر الأزمة
ترجع وزارة الصحة والجهات الحكومية في غزة هذه الأزمة بشكل مباشر إلى سياسة الحصار الإسرائيلية الممتدة منذ 18 عاماً، والتي تصاعدت بصورة غير مسبوقة خلال العامين الماضيين، رغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025. فالاحتلال – وفق مصادر حكومية – يمارس سياسات تضييق ممنهج على إدخال الأدوية، حيث تُرفض معظم القوائم بحجج أمنية، ويُسمح بدخول كميات أقل بكثير من الاحتياج الفعلي، ما يجعل المرافق الصحية تعمل على حافة الانهيار طوال الوقت.
ويقول مسؤولون صحيون إن الاحتلال أعاد تعريف الكثير من الأصناف الطبية على أنها “مواد مزدوجة الاستخدام”، ما يسمح له بمنع دخولها تماماً، بما في ذلك بعض المحاليل المخبرية والمواد الكيميائية المستخدمة في التشخيص والعلاج. ومع ارتفاع الإصابات ونقص الإمدادات، يصبح المدنيون – وخصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن – الطرف الأكثر تضرراً من هذا الخنق الطبي.
أزمة غاز الطهي: حياة السكان تتقلص تحت الحصار
وفي موازاة الأزمة الصحية، كشف المكتب الإعلامي الحكومي عن تفاقم خطير في أزمة غاز الطهي. فوفقاً لبيان رسمي، سمحت إسرائيل منذ بدء وقف إطلاق النار وحتى 6 ديسمبر/كانون الأول بدخول 104 شاحنات فقط من أصل 660 شاحنة مقررة، أي ما نسبته 16% فقط من الكمية التي تم الاتفاق عليها.
هذا النقص الحاد يشكل تهديداً مباشراً للحياة اليومية في غزة، إذ يعتمد السكان على غاز الطهي في إعداد الطعام، وتشغيل المخابز، وتشغيل بعض الأجهزة الطبية، إضافة إلى احتياجات الطوارئ في مراكز الإيواء. ومع تجاوز عدد سكان القطاع المليوني نسمة، يعني هذا النقص أن عشرات الآلاف من الأسر لم يعد بإمكانها الحصول على أدنى مقومات الطبخ والتدفئة.
وبحسب البيانات الرسمية، لم تحصل سوى 252 ألف أسرة على حصتها المحددة بـ 8 كيلوغرامات لكل دورة توزيع، فيما بقيت 218 ألف أسرة دون أي حصة حتى الآن، ما يدفع الكثيرين للجوء إلى بدائل خطيرة مثل حرق الأخشاب والبلاستيك داخل البيوت المكتظة، وهو ما تسبب بارتفاع في حالات الاختناق والحرائق المنزلية.
التزامات لا تُنفّذ: اتفاق وقف إطلاق النار في مهب الريح
اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل ينص بوضوح على إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً إلى قطاع غزة. إلا أن الاحتلال – وفق الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة – لا يسمح إلا بدخول 200 شاحنة في أحسن الأحوال، وهو ما يمثل ثلث الكمية المطلوبة لإبقاء القطاع في مستوى إنساني مقبول، وليس مريحاً.
هذا التلاعب الإسرائيلي بالحصص الإنسانية هدفه – كما يرى محللون – إبقاء غزة في حالة “إدارة أزمة دائمة”، بحيث لا تنهار كلياً ولا تتعافى، ما يشكل وسيلة ضغط سياسي وأمني تستخدمها تل أبيب للتحكم بالمشهد الداخلي الفلسطيني.
خطر الانهيار الكامل
مع استمرار الحصار، وتحكّم الاحتلال في تدفق الإمدادات، وتزايد الاحتياجات بشكل متسارع، يحذّر مسؤولون من أن المنظومة الصحية قد تنهار خلال أسابيع، وأن أزمة غاز الطهي قد تتحول إلى كارثة إنسانية شاملة في الشتاء القادم.
وزارة الصحة طالبت المجتمع الدولي بتحرك عاجل، مؤكدة أن صمت العالم عن الحصار المفروض على غزة “يحوّل المدنيين إلى وقود كارثة تُكتب تفاصيلها كل يوم”، وأن منع الدواء والغاز عن أكثر من مليوني إنسان يمثل “جريمة جماعية لا يمكن تبريرها”.
اقرأ أيضًا : اقتحامات جديدة وهدم.. الاحتلال يصعّد اعتداءاته في الضفة الغربية