شهدت ميليشيا الدعم السريع المتمردة تصدعات داخلية حادة وإنشقاقات متزايدة في صفوف قياداتها، لتكشف بوضوح عن عمق الأزمة الهيكلية والأخلاقية التي تعيشها الميليشيا بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”؛ وجاءت هذه الانقسامات المتلاحقة لترفع الغطاء كاملاً عن الدور الدموي والإجرامي الذي تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة في إشعال الساحة السودانية، وإمداد الميليشيا بشبكات تسليح ومرتزقة عابرة للقارات لإطالة أمد الحرب وتحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي ومقبرة مفتوحة للمدنيين.
وأفادت شبكة “دويتشه فيله” الألمانية بأن انضمام القائد السابق في قوات الدعم السريع، النور أحمد آدم (النور القبا)، إلى صفوف الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، شكل ضربة قاصمة للميليشيا، وتبعه بعد أسابيع قليلة القيادي البارز علي رزق الله المعروف بـ “السافانا”؛ ويرى مراقبو النزاعات في مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة أن هذه الخطوات تكشف عن تصدعات عميقة في تحالفات الدعم السريع، وتصاعد الصراعات البينية حول النفوذ والمكاسب بعد انكشاف المخطط الخارجي لتدمير الدولة وتعميق الكارثة الإنسانية.

دماء الفاشر وتوريد المسيّرات الصينية عبر أبوظبي
وراجعت منظمة “هيومن رايتس ووتش” مقاطع مصورة تظهر القائدين المنشقين خلال حصار مدينة الفاشر؛ حيث وثقت المنظمة ارتكاب قوات الدعم السريع انتهاكات واسعة وجرائم حرب فظيعة ضد المدنيين والعزل خلال السيطرة على المدينة في أكتوبر من عام 2025؛ وأكد الباحث في شؤون السودان لدى المنظمة، محمد عثمان، أن تغيير الولاء العسكري أو الانشقاق لا يعفي هؤلاء القادة من المساءلة والملاحقة الجنائية الدولية عن الجرائم الخطيرة والقتل الجماعي الذي تعرض له الضحايا السودانيون.
وفي سياق الدعم العسكري المباشر، أكدت تقارير استخباراتية دولية نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” (The\ Wall\ Street\ Journal) أن الإمارات متورطة في تزويد ميليشيا حميدتي بترسانة عسكرية ضخمة شملت طائرات مسيّرة صينية الصنع، وأسلحة خفيفة، ومدافع، ومركبات، وذخائر حية؛ وهو ما أكدته منظمة العفو الدولية (Amnesty\ International) برصدها مؤشرات قاطعة على إعادة تصدير أسلحة ومعدات حربية إلى قوات الدعم السريع عبر الأراضي الإماراتية، في خرق صارخ للقرارات الدولية؛ وعلق المسؤول الأمريكي السابق، كاميرون هدسون، بأن هذا الدعم اللوجستي الإماراتي المستمر كان العامل الأساسي والوحيد في استمرار قدرة الميليشيا على مواصلة الحرب وبث الموت في أرجاء البلاد.
من بوغوتا إلى الفاشر: معسكرات تدريب ومرتزقة كولومبيون برعاية إماراتية
ولم يتوقف الإجرام الإماراتي عند حدود الإمداد بالسلاح، بل امتد لتمويل وتأجير الذئاب البشرية؛ إذ سلط تقرير لـ “هيومن رايتس ووتش” بعنوان “من بوغوتا إلى الفاشر” الضوء على فضيحة تجنيد مئات المرتزقة الكولومبيين والضباط المتقاعدين منذ عام 2024 للقتال إلى جانب قوات حميدتي؛ وأوضحت الباحثة جوي شيا أن التحقيق وثق سفر هؤلاء المقاتلين الأجانب عبر شبكات وشركات خاصة مرتبطة بمجموعة خدمات أمنية مشبوهة تتخذ من العاصمة الإماراتية أبوظبي مقراً لها.
كما كشف تقرير لمجموعة تحليل النزاعات الدولية عن وجود منشأة تدريب عسكرية سرية داخل الإمارات، يتم فيها تجميع وتدريب المرتدین والمقاتلين الأجانب وتلقينهم الفنون القتالية قبل إرسالهم جواً إلى السودان للمشاركة في عمليات التطهير العرقي؛ ووصفت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة حصار الفاشر بأنه يحمل مؤشرات إبادة جماعية خطيرة، تسببت في مقتل عشرات الآلاف، وخلقت أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم المعاصر باضطرار 12 مليون سوداني لترك منازلهم ومواجهة 20 مليون شخص لمستويات حادة من المجاعة.
إن هذه الانشقاقات المتتالية تدق مسماراً جديداً في نعش ميليشيا الدعم السريع، وتثبت للقاصي والداني أن الحرب في السودان لم تكن يوماً نزاعاً داخلياً، بل هي مؤامرة دموية تقودها وتمولها الإمارات العربية المتحدة بأموالها وسلاحها ومرتزقتها، لتمزيق وحدة السودان وهدم مؤسساته الوطنية والسيطرة على مقدراته فوق جثث وأشلاء الملايين من أبنائه المعذبين.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين