في تطور جديد يكشف عن عمق التنسيق الأمني والسياسي بين نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وإسرائيل، طالبت سلطات الاحتلال من القاهرة منع قوافل التضامن الدولية مع غزة من الوصول إلى الحدود، وهو ما قوبل باستجابة واضحة من الجانب المصري عبر اشتراطات تعجيزية تؤدي فعليًا إلى تعطيل دخول الوفود المتضامنة مع الفلسطينيين.

الطلب الإسرائيلي جاء على لسان وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي طالب مصر بمنع “المحتجين الجهاديين” من الوصول إلى الحدود، مشددًا على أن أي محاولة للدخول إلى غزة ستكون خطوة استفزازية وتعريضًا لأمن الجنود الإسرائيليين.

هذه اللهجة الواضحة من وزير الاحتلال تكشف حجم الاعتماد الإسرائيلي على الدور المصري في ضبط الحدود الجنوبية للقطاع، ومنع أي تحركات تضامنية قد تكسر صورة الحصار أو تربك حسابات تل أبيب في إدارة الوضع الأمني حول غزة.

في المقابل، صدر عن وزارة الخارجية المصرية بيان يكرر المعزوفة نفسها منذ اندلاع الحرب على غزة، حيث أكدت القاهرة أن دخول أي وفود أجنبية إلى سيناء يتطلب موافقات مسبقة وفق آلية تنظيمية صارمة، تشمل التقدم بطلبات عبر السفارات المصرية في الخارج أو من خلال الممثليات الدبلوماسية المعتمدة في القاهرة. 

ورغم إعلانها دعم الجهود الدولية لرفع الحصار عن غزة، فإن الممارسات الفعلية للسلطات المصرية تُثبت العكس تمامًا.

القاهرة تحت الضغط.. ولكنها تصطف مع تل أبيب

التحالف العالمي لمناهضة الاحتلال في فلسطين كشف أن أكثر من أربعة آلاف متضامن دولي من 54 دولة، من بينهم برلمانيون أوروبيون، كانوا يعتزمون التوجه إلى مدينة العريش ومن ثم إلى معبر رفح للمشاركة في اعتصام سلمي يطالب بإنهاء الحصار وإدخال المساعدات الإنسانية إلى أكثر من مليوني فلسطيني يعانون من الجوع والدمار.

لكن البيان المصري الذي صدر الأربعاء جاء ليغلق الباب أمام أي تحركات جماهيرية مؤثرة، وسط مخاوف واضحة من إحراج النظام المصري أمام الرأي العام العالمي، في وقت بات فيه يُتهم بالمشاركة في حصار قطاع غزة، خصوصًا مع استمرار إغلاق معبر رفح لفترات طويلة ومنع دخول قوافل الإغاثة.

وبينما تزعم القاهرة أنها تؤيد الضغط على إسرائيل لإنهاء الحصار، فإن سياساتها الأمنية والإدارية على الأرض تفرغ هذا الادعاء من أي مضمون حقيقي. فمئات الشاحنات تقف لأيام أمام بوابة المعبر، فيما يموت الأطفال في مستشفيات غزة نتيجة نقص الأدوية أو تعطّل دخول الوقود والمستلزمات الطبية.

مصر تمنع القوافل.. وتحمي الاحتلال

الخطير في الموقف المصري الحالي أنه لم يعد مجرد صمت أو تقاعس، بل مشاركة فعّالة في تنفيذ الحصار عبر التنسيق مع تل أبيب وملاحقة الناشطين والمتضامنين الذين يحاولون اختراق الجدار الإعلامي والإنساني الذي بُني حول القطاع. فجر الخميس، أفرجت السلطات المصرية عن مواطنين فرنسيين اعتقلتهم فور وصولهم للمشاركة في “القافلة العالمية إلى غزة”، في سلوك يعكس عداءًا صريحًا لأي مبادرة شعبية مستقلة قد تفضح تواطؤ النظام مع جرائم الاحتلال.

وتستعد قوافل تضامنية أخرى، مثل “قافلة الصمود” القادمة من تونس عبر الجزائر وليبيا، للوصول إلى الحدود المصرية، في محاولة لكسر الحصار معنويًا عبر مسيرة رمزية على الأقدام من مدينة العريش حتى معبر رفح. لكن هذه المحاولات تواجه ببيروقراطية مصرية مُسيّسة، تُخفي خلفها إرادة سياسية بعدم السماح لأي تحرك قد يُحرج إسرائيل أو يُشعل دعمًا جماهيريًا دوليًا لغزة المحاصرة.

العنوان الحقيقي: شريك في الحصار

تحوّل الدور المصري من وسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى طرف فعلي في الحصار، إذ باتت القاهرة خط الدفاع الأول عن أمن إسرائيل من الجنوب. فبدلًا من أن تكون مصر بوابة للنجدة والإغاثة، أصبحت حائطًا صدًّا يُجهض أي محاولة لكسر الحصار أو حتى للتضامن الرمزي مع سكان القطاع.

وبينما تواصل إسرائيل ارتكاب مجازر يومية في غزة، تكتفي القاهرة بتصريحات دبلوماسية باهتة، بينما تضع العراقيل أمام أي تحرك شعبي عالمي قد يغير موازين الرأي العام الدولي. وهذا يعيد إلى الأذهان دور نظام السيسي منذ انقلابه عام 2013، حين اختار الاصطفاف العلني مع مشاريع التطبيع، وأعاد العلاقات مع إسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة من الحميمية الأمنية.

خلاصة

ما يجري على حدود غزة ليس فقط مشهدًا جديدًا من مشاهد الحصار، بل هو اختبار حقيقي لموقف مصر الرسمي. فبينما يموت الفلسطينيون جوعًا، ويُقصفون ليلًا ونهارًا، تمنع القاهرة دخول قوافل التضامن وتعتقل المتضامنين، وتغلق الطرق وتضع الشروط، كل ذلك بحجة “التنظيم” و”الموافقات المسبقة”. لكن الحقيقة أن السيسي لا ينظم الحدود… بل يحمي الحصار.

اقرأ أيضا : السيسي يبيع مصر ويخسر كل شيء.. “إيكونوميست”: عبد الفتاح أول الخاسرين في الشرق الأوسط الجديد