غادر رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس قاسم الزُبيدي، العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، متوجهًا إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، في زيارة لم يُعلن عن تفاصيلها الرسمية، ما فتح الباب واسعًا للتكهنات بشأن أسباب الزيارة وتوقيتها، خاصة أنها تأتي في أعقاب احتجاجات غاضبة شهدتها عدن وعدد من المناطق الجنوبية ضد تردي الأوضاع المعيشية والانفلات الأمني، والتي جوبهت بالقمع من قبل قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي.

بحسب مصادر محلية، فإن الزُبيدي غادر مطار عدن على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية، برفقة عدد من القيادات العسكرية والسياسية للمجلس، وكان في وداعه عدد من كبار المسؤولين في المجلس الانتقالي، ما يشير إلى طابع رسمي للزيارة، وإن كانت الجهات الرسمية لم تصدر بيانًا يوضح أهدافها أو جدول أعمالها.

توقيت حرج.. وتصعيد شعبي

اللافت في زيارة الزُبيدي إلى أبوظبي أنها تأتي بعد أيام من تصاعد الغضب الشعبي في عدن ولحج وأبين، على خلفية تدهور الخدمات الأساسية، كالتيار الكهربائي والمياه، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، فضلًا عن تقارير تشير إلى انتهاكات حقوقية تمارسها قوات تابعة للمجلس الانتقالي بحق المتظاهرين، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية واستخدام القوة المفرطة لتفريق التجمعات.

وقد حمل المحتجون في شعاراتهم عبارات تُدين المجلس الانتقالي وتتهم قياداته بالفشل والفساد والتبعية لأجندات خارجية، في إشارة إلى النفوذ الإماراتي. ويبدو أن تلك المظاهرات شكلت إحراجًا للمجلس الانتقالي أمام داعميه، لا سيما أبوظبي، التي تعتمد على هذه الميليشيا كمركز ثقل لتنفيذ استراتيجيتها جنوب اليمن.

الإمارات.. مركز القرار الحقيقي

زيارة الزُبيدي إلى الإمارات في هذا التوقيت لا تبدو عفوية أو مجرد تواصل سياسي اعتيادي، بل تمثل – وفق مراقبين – إما استدعاءً من قبل أبوظبي لتقييم الموقف المتدهور في الجنوب، أو محاولة من الزُبيدي للحصول على توجيهات وضمانات جديدة بعد اتساع رقعة الغضب الشعبي ضده، وهو الذي بات يُنظر إليه من قبل شريحة واسعة من اليمنيين كأداة إماراتية لضرب وحدة اليمن ونهب ثرواته.

ومن المعروف أن الإمارات تتعامل مع الجنوب اليمني كمجال نفوذ استراتيجي، وقدمت الدعم العسكري واللوجستي والسياسي للمجلس الانتقالي منذ تأسيسه في 2017، وسعت منذ ذلك الحين إلى تمكينه من السيطرة على مؤسسات الدولة في عدن والمناطق الساحلية، بما يخدم تطلعاتها للهيمنة على موانئ اليمن، وعلى رأسها ميناء عدن وميناء بلحاف في شبوة.

القمع بغطاء سياسي خارجي

وفقًا لتقارير حقوقية وشهادات ميدانية، فإن القوات التابعة للزبيدي استخدمت الرصاص الحي والهراوات لتفريق المحتجين في كريتر والمعلا، وهو ما أسفر عن إصابات واعتقالات. 

هذه السياسات القمعية تأتي – حسب محللين – بتشجيع إماراتي مباشر، إذ لا يبدو أن المجلس الانتقالي يملك استقلالية قرار أو حرية التحرك دون ضوء أخضر من أبوظبي، التي تستثمر فيه كأداة ميدانية لتحقيق مصالحها الجيوسياسية.

وتبرز هنا إشكالية السيادة اليمنية المغيبة، فالقوات التي تقمع مواطنين يمنيين تُدار فعليًا من خارج حدود اليمن، وتحديدًا من الإمارات، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل الدولة اليمنية ووحدة أراضيها، في ظل التماهي بين القيادات المحلية وأجندات الدول الإقليمية المتدخلة.

هل يعود الزُبيدي بتفويض جديد؟

من المرجح أن تهدف الزيارة إلى إعادة ترتيب الأدوار داخل المجلس الانتقالي في ظل التحديات الداخلية المتفاقمة، وربما تلقي الزُبيدي تعليمات إماراتية تتعلق بخطط سياسية أو عسكرية جديدة في الجنوب، تشمل توسيع السيطرة أو احتواء الغضب الشعبي عبر حلول أمنية أو اقتصادية مدعومة من الإمارات.

لكن ما يلفت الانتباه هو أن الزُبيدي لم يرافقه أي مسؤول من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ما يعكس استمرار المجلس في العمل ككيان موازٍ خارج إطار الشرعية، وهو ما يعقّد فرص التسوية السياسية ويفاقم حالة الانقسام.

في الختام..

إن مغادرة الزُبيدي عدن باتجاه أبوظبي ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل تعكس اختلال موازين السلطة في الجنوب اليمني، حيث يتم اتخاذ القرارات المصيرية من خارج الوطن، في الوقت الذي تتزايد فيه معاناة اليمنيين من الأزمات المعيشية والانتهاكات الأمنية. 

والرسالة التي تصل لليمنيين من هذا المشهد واضحة: أن من يمسك بزمام الأمور في عدن ليس القادة المحليون، بل رعاة المشروع الانفصالي الإقليمي الذين يسعون لتقسيم اليمن وتشتيت قواه السياسية والاجتماعية.

اقرأ أيضًا : الجيش السوداني يتهم حفتر بدعم ميليشيا حميدتي.. برعاية إماراتية للمرتزقة