كشف الباحث المتخصص في التضليل الرقمي مارك أوين جونز عن شبكة من المواقع التي تقدم نفسها باعتبارها مؤسسات إخبارية مستقلة، لكنها تظهر، وفق تحقيق رقمي أجراه، مؤشرات على عملها ضمن منظومة مترابطة تستخدم المحتوى الصحافي والإعلانات المدفوعة للتأثير في النقاش العام بشأن ملفات سياسية في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الحرب في السودان.
وبدأت خيوط التحقيق، بحسب جونز، عندما ظهر أمامه على منصة «لينكدإن» إعلان ممول لموقع يحمل اسم Levantine Report. وبعد تتبع الموقع والجهة التي دفعت تكلفة الإعلان، قال إن البحث قاده عبر شبكة من العلاقات والكيانات امتدت من هونغ كونغ ومقدونيا الشمالية إلى بروكسل ونيوجيرسي وإسرائيل ودبي والسودان.
ووجد جونز أن الجهة التي دفعت مقابل الإعلان تحمل اسم BM Web Solutions Limited، وأن البحث في أرشيف إعلانات «لينكدإن» أظهر أن الشركة نفسها مولت إعلانات لمواقع إخبارية أخرى، من بينها Global Reportz وFrontline Radar وDiplomat Post، ما دفعه إلى تتبع الروابط بين هذه المنصات وتحليل طبيعة المحتوى الذي تنتجه والموضوعات التي يجري الترويج لها بأموال الإعلانات.
السودان في قلب العملية
النقطة الأبرز في تحقيق جونز ظهرت عند تحليل المواد التي اختارت الشبكة الدفع بأموال لإيصالها إلى الجمهور. ويقول الباحث إن السودان برز باعتباره أحد الموضوعات الرئيسية التي يبدو أن القائمين على العملية يريدون دفع الجمهور إلى مشاهدتها والتفاعل معها.
وبحسب تحليله، فإن المواقع تنتج أعدادًا كبيرة من المقالات بما يمنحها مظهر المؤسسة الإخبارية الطبيعية ويعزز شرعيتها أمام القارئ، بينما تكمن الأهمية الحقيقية في مجموعة محددة من المواد التي يجري اختيارها للترويج المدفوع على منصات التواصل الاجتماعي. ووصف جونز هذا الأسلوب بأنه جزء من عملية تأثير معلوماتي مضلل لا تعتمد بالضرورة على نشر أخبار كاذبة بصورة مباشرة، وإنما على بناء واجهة إعلامية تبدو مستقلة ثم استخدامها لدفع سرديات مختارة إلى الجمهور.
وتزداد أهمية ما كشفه جونز مع إشارته إلى أن العملية بدأت في إطلاق إعلانات مدفوعة حول مزاعم استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، وذلك قبل نشر تقارير بارزة في صحف أميركية كبرى تناولت هذه الاتهامات. وقال الباحث إنه يرصد عملية تضليل تعمل عبر منصات متعددة وتستخدم ما وصفه بـ«مؤسسات إخبارية واجهة».
وهنا تكمن حساسية التحقيق: جونز لا يقول إن ظهور المواد في الصحافة الأميركية كان نتيجة مباشرة لهذه الشبكة، ولا يقدم دليلاً على أن تلك الصحف تلقت معلومات منها، لكن التسلسل الزمني الذي رصده يثير سؤالاً مهماً حول كيفية زرع سردية سياسية على الإنترنت وتكرارها وتضخيمها قبل انتقالها إلى مساحات إعلامية أوسع.
شبكة تتجاوز موقعًا واحدًا
التحقيق لا يتعامل مع «Levantine Report» باعتباره حالة منفردة، إذ قاد تتبع ممول إعلاناته إلى المواقع الثلاثة الأخرى. ووفق جونز، فإن تشابه آليات العمل والإعلانات والروابط التي رصدها يدعم فرضيته بوجود عملية منظمة، لا مجرد مجموعة مواقع لا علاقة بينها.
ويستخدم جونز في وصف هذه الممارسة مصطلح Dysinfluence، في إشارة إلى عمليات لا تقتصر على «المعلومات المضللة» بالمفهوم التقليدي، وإنما تمزج بين الدعاية والعلاقات العامة والإعلانات المدفوعة والمحتوى شبه الصحافي وتقنيات التلاعب الرقمي من أجل التأثير في الطريقة التي يفهم بها الجمهور قضية سياسية معينة.
وبهذا الأسلوب، لا يحتاج القائمون على العملية إلى إنشاء آلاف الحسابات الوهمية التي يسهل اكتشافها وإغلاقها؛ إذ يمكن إنشاء مواقع ذات تصميم احترافي، ونشر عشرات المواد الإخبارية العادية، ثم استخدام المال لترويج عدد محدود من القصص التي تحمل الرسائل السياسية المراد إيصالها.
من يقف خلف الشبكة؟
رغم سلسلة الروابط التي تتبعها جونز ووصول التحقيق إلى كيانات وأشخاص ومواقع في عدة دول، فإن أهم نقطة يجب عدم تجاوزها صحافياً هي أن التحقيق لا يقدم حتى الآن دليلاً علنياً حاسماً يحدد الحكومة أو الجهة السياسية التي أمرت بتشغيل الشبكة أو مولت العملية النهائية.
وجود روابط تجارية أو جغرافية تصل إلى دبي أو إسرائيل أو السودان، على سبيل المثال، لا يكفي وحده لإثبات أن حكومة بعينها تقف خلف العملية. كما أن تركيز الإعلانات على سرديات سلبية تجاه الجيش السوداني أو على اتهامات محددة لا يثبت بمفرده هوية المستفيد الذي أصدر التعليمات.
لكن ما يقدمه التحقيق، وفق جونز، هو مجموعة من المؤشرات الرقمية والمالية والتنظيمية التي تستحق مزيدًا من البحث: جهة واحدة تدفع مقابل إعلانات لعدة مواقع تبدو مستقلة، شبكة مواقع تنتج كميات كبيرة من المحتوى، ثم إنفاق إعلاني انتقائي يدفع بقضايا محددة إلى الجمهور، مع بروز السودان بصورة واضحة داخل المواد المروّجة.
ويفتح التحقيق بذلك ملفاً أوسع يتجاوز سؤال «هل الخبر صحيح أم كاذب؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يقرر أي خبر يجب أن يراه الجمهور؟ ومن يدفع المال لإيصاله إليه؟ ولماذا يجري إنشاء مؤسسات إعلامية تبدو مستقلة إذا كان الهدف الأساسي هو الترويج المدفوع لسرديات سياسية بعينها؟
وفي حالة السودان، تصبح هذه الأسئلة أكثر حساسية مع استمرار حرب لم تعد ساحتها مقتصرة على الأرض والسلاح، بل امتدت إلى معركة موازية على الرواية والصورة والرأي العام الدولي، تستخدم فيها وسائل الإعلام وشبكات التواصل والإعلانات الرقمية كأدوات تأثير لا تقل أهمية عن التحركات السياسية والدبلوماسية.