وثائق سرية أُحيلت إلى مجلس الأمن الدولي كشفت أن معدات عسكرية بريطانية الصنع عُثر عليها في ميادين القتال في السودان، كانت بحوزة قوات الدعم السريع (RSF)، وهي الميليشيا التي تُتهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.

وتضم الأدلة — التي اطلعت عليها الأمم المتحدة وكشفت عنها صحيفة الغارديان البريطانية— أنظمة استهداف للأسلحة الخفيفة مصنَّعة في ويلز البريطانية، بالإضافة إلى محركات بريطانية الصنع تُستخدم في ناقلات جند مدرعة من طراز “نِمر” المصنَّعة في الإمارات.

تأتي هذه التسريبات في وقت تصاعد فيه التدقيق الدولي في صادرات الأسلحة البريطانية إلى الإمارات، المتهمة منذ سنوات بتسليح ميليشيا الدعم السريع في السودان، في انتهاك صارخ لحظر الأسلحة الأممي.

الوثائق، المكونة من مذكرتين رفعتا إلى مجلس الأمن في يونيو 2024 ومارس 2025، أعدّها الجيش السوداني، مستندة على “أدلة دامغة على دعم الإمارات لقوات الدعم السريع”، بينها صور ومواصفات تفصيلية لمعدات عسكرية بريطانية استُخدمت في مواقع قتالية داخل العاصمة الخرطوم ومدينة أم درمان.

إحدى الصور المرفقة تُظهر أجهزة استهداف للأسلحة الخفيفة تحمل علامة شركة  Militec، وهي شركة بريطانية مقرها في مقاطعة Mid Glamorgan في ويلز، متخصصة في تصنيع أنظمة تدريب للرماية وأجهزة استهداف إلكترونية.

بيانات التراخيص الحكومية في بريطانيا كذل تُظهر أن وزارة التجارة الدولية منحت تصاريح تصدير لمنتجات الشركة إلى الإمارات منذ عام 2013، واستمرّت في تجديدها على مدى العقد التالي.

ووفقًا للمعلومات التي اطّلع عليها مجلس الأمن، أصدرت الحكومة البريطانية بين يناير 2015 وسبتمبر 2024 ما لا يقل عن 26 ترخيص تصدير دائم للمعدات العسكرية من فئة “ML14”، وهي الفئة التي تشمل أجهزة التدريب والاستهداف التي تنتجها Militec .

كما تشير السجلات إلى أن آخر ترخيص واسع النطاق (Open Individual Export Licence) أُصدر في 27 سبتمبر 2024 — أي بعد ثلاثة أشهر فقط من تلقّي مجلس الأمن أدلة تُظهر وجود تلك المعدات البريطانية في السودان.

هذه التراخيص تُجيز تصدير كميات غير محدودة من المعدات طوال فترة الترخيص دون تتبّع دقيق لوجهتها النهائية، ما يعني فعليًا غياب الرقابة على إعادة التصدير أو التحويل لطرف ثالث.

بحسب تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن حول السودان الصادر في يناير 2024، فإن الادعاءات حول قيام الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة “ذات مصداقية عالية”.

ورغم هذه التحذيرات، تشير الوثائق الجديدة إلى أن الحكومة البريطانية واصلت الترخيص بتصدير معدات عسكرية إلى الإمارات، بما في ذلك المنتجات نفسها التي ظهرت لاحقًا في مسرح الحرب السودانية.

الباحث مايك لويس، وهو عضو سابق في فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، قال إن القانون البريطاني والدولي يمنع بوضوح إصدار تراخيص تصدير عندما يوجد خطر واضح لتحويلها أو استخدامها في جرائم دولية. وأضاف:

“الأمم المتحدة وثّقت مرارًا تاريخ الإمارات في تحويل الأسلحة إلى دول خاضعة لحظر تسليح وإلى أطراف منتهِكة للقانون الإنساني الدولي. ومع هذه السوابق، لم يكن ينبغي لبريطانيا أن تمنح أي ترخيص من هذا النوع.”

جزء آخر من الأدلة يتعلق بالمركبات المدرعة من طراز نِمر (Ajban-series) التي تنتجها مجموعة EDGE الإماراتية المملوكة للدولة.

الصور المضمَّنة في الوثائق تُظهر لوحات تعريف لمحركات المركبات تحمل عبارة “صُنعت في بريطانيا بواسطة Cummins Inc”، بتاريخ تصنيع 16 يونيو 2016. شركة Cummins، وهي مجموعة أميركية تمتلك فرعًا بريطانيًا لتصنيع المحركات، أكدت أنها راجعت كل تعاملاتها السابقة ولم تجد أي صفقة تشير إلى السودان كوجهة نهائية. لكنها شددت في بيانها على أنها “تلتزم الصرامة في احترام أنظمة التصدير والعقوبات”.

ورغم ذلك، فإن الأدلة التي جمعها مجلس الأمن منذ عام 2016 أكدت أن الإمارات زوّدت جماعات مسلّحة في ليبيا وصومالياً بمركبات نِمر في انتهاك لحظر الأسلحة الأممي، ما يعني أن بريطانيا كانت على علم مسبق بخطر التحويل غير المشروع عند استمرارها في السماح بتوريد المحركات للإمارات.

المخاطر لم تكن جديدة على الحكومة البريطانية. ففي عام 2021، تسرّبت تقارير استخباراتية داخلية تُحذر من أن شركات إماراتية خاصة تُستخدم كواجهة لإعادة تصدير معدات عسكرية صغيرة إلى مناطق نزاع.

بل إن حادثة سابقة وقعت قبل ثلاث سنوات فقط، عندما عُثر على مناظير ليلية بريطانية الصنع كانت قد بيعت إلى شركة إماراتية، ثم ظهرت لاحقًا في أيدي مقاتلين من طالبان في أفغانستان.

عبد الله إدريس أبوغردة، رئيس جمعية الشتات الدارفوري في المملكة المتحدة، طالب الحكومة البريطانية بفتح تحقيق عاجل في هذه القضية، مؤكدًا أن “أي تكنولوجيا أو معدات بريطانية تساهم في معاناة المدنيين السودانيين يجب أن تخضع للمساءلة الفورية”. وقال في تصريحات خاصة:

“على المجتمع الدولي، بما في ذلك بريطانيا، أن يحقق في كيفية حدوث هذا التحويل، وأن يضمن ألا تساهم أي معدات بريطانية في الجرائم الجارية. لا بد من مراقبة صارمة لاستخدام السلاح ومحاسبة من تورّط في هذه المأساة.”

يرى خبراء القانون الدولي أن استمرار تراخيص التصدير رغم المخاطر المعلَنة يجعل بريطانيا شريكة ضمنيًا في تغذية الصراع الذي حصد أكثر من 150 ألف قتيل وشرّد أكثر من 12 مليون شخص وترك 25 مليونًا يعانون الجوع الحاد، وفق أرقام الأمم المتحدة.

مصادر حكومية بريطانية قالت إن قرارات الترخيص تُتخذ “على أساس كل حالة على حدة” وإن بعض الطلبات تُرفض. لكن وزارة الخارجية البريطانية رفضت توضيح الشركات التي حصلت على تراخيص محددة أو طبيعة المعدات التي شملتها. وقالت في بيان مقتضب:

“المملكة المتحدة تمتلك واحدًا من أكثر أنظمة مراقبة الصادرات شفافية وتشدّدًا في العالم، وكل ترخيص يُقيَّم بناءً على خطر تحويله أو استخدامه في انتهاك للقانون الدولي.”

لكن هذه التصريحات لم تُقنع المراقبين، إذ إن التراخيص المفتوحة التي لا تُلزم بمراقبة الاستخدام النهائي تتيح فعليًا تصدير الأسلحة دون محاسبة.

الإمارات نفت مجددًا تقديم أي دعم عسكري لقوات الدعم السريع، بينما رفضت الحكومة البريطانية التعليق على محتوى الوثائق، رغم كونها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن ومطّلعة على الأدلة.

ويؤكد باحثون أن هذه القضية تعيد إنتاج نمط متكرر من تواطؤ القوى الغربية مع حلفائها الخليجيين، حيث تتغاضى الحكومات عن تحويل الأسلحة إلى مناطق نزاع مقابل صفقات تجارية وصفقات استثمارية.

القضية لا تتعلق بالسودان وحده؛ فالسلاح البريطاني الذي يُصدّر إلى أنظمة استبدادية تحت ذرائع “الاستخدام المشروع” يظهر لاحقًا في حروب قذرة، من ليبيا واليمن إلى دارفور وغزة، ما يضع لندن في موضع المتواطئ الدائم مع الجريمة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج سيجعل القانون الدولي مجرّد شعار بلا أثر، ما لم يُحاسب من يتاجر بالأسلحة وهو يعلم مسبقًا أين تُستخدم.