في تطور جديد يسلط الضوء على فظائع الحرب الدائرة في السودان، اتهمت لجنة شعبية بمدينة الفاشر قوات “الدعم السريع” باقتحام مخيم أبو شوك للنازحين واختطاف ثماني نساء، من بينهن طفلتان، إلى وجهة مجهولة. 

الحادثة التي جرت يوم السبت الماضي، وفق بيان “غرفة طوارئ المخيم”، تمثل حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات التي تُرتكب بحق المدنيين المحاصرين في شمال دارفور، حيث يعيش أكثر من 300 ألف إنسان تحت حصار خانق منذ يونيو/حزيران 2024.

مخيمات النزوح تحت النار: استهداف متكرر وواقع مأساوي

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، تحولت المخيمات الإنسانية إلى ساحات مفتوحة لانتهاكات منهجية.

البيان الأخير للجنة الشعبية أشار إلى أن “عدد المفقودين جراء اقتحامات الدعم السريع المتكررة بلغ أكثر من 20 شخصاً”، في إشارة إلى استهداف مباشر للمدنيين الأكثر هشاشة.

الأمم المتحدة أعربت الأسبوع الماضي عن “صدمتها” من هجوم واسع النطاق شنته قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر ومحيطها، بما في ذلك مخيم أبو شوك، ما أدى إلى نزوح أكثر من 500 شخص داخلياً هرباً من الانتهاكات. هذا المشهد يعكس إستراتيجية ممنهجة تقوم على تجويع المدنيين، ترهيبهم، وتشريدهم لدفعهم إلى الاستسلام أو النزوح القسري، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

حصار الفاشر.. مدينة على حافة المجاعة والانهيار الصحي

الفاشر، التي تُعتبر المركز الإداري والإنساني لولايات دارفور الخمس، تخضع منذ مايو/أيار 2024 لحصار خانق تفرضه قوات الدعم السريع. نتيجة لذلك، يعيش سكانها الـ300 ألف في عزلة شبه تامة عن العالم الخارجي.

التقارير الأممية تؤكد أن المدينة تواجه قصفاً يومياً ونقصاً فادحاً في الغذاء والخدمات الأساسية، فيما توفي 63 شخصاً في أغسطس/آب الجاري وحده بسبب سوء التغذية. كما يهدد وباء الكوليرا بالانتشار وسط انهيار كامل للقطاع الصحي، ما ينذر بكارثة إنسانية قد تلتهم عشرات الآلاف في حال استمر الصمت الدولي.

مديرة عمليات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، إديم وسورنو، وصفت الوضع في دارفور بـ”المروع”، مؤكدة أن المدنيين يُقتلون سواء داخل المدينة أو أثناء محاولتهم الهروب إلى المخيمات بحثاً عن ملاذ آمن.

الحكومة السودانية تحذر.. والنداءات تواجه صمت العالم

رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، وجه نداءً مباشراً إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن لفتح ممرات إنسانية نحو الفاشر، محذراً من أن التاريخ سيسجل ما إذا اختارت المنظمة الدولية “الصمت أو التضامن”، في إشارة واضحة إلى أن التخاذل الأممي يفاقم من مأساة المدنيين.

إدريس أشار إلى أن مئات الآلاف يواجهون خطر الموت جوعاً بشكل متعمد، في وقت صدرت فيه بيانات دولية “باهتة” وضعت طرفي النزاع في كفة واحدة، متجاهلة أن الدعم السريع هو من يفرض الحصار ويستخدم سلاح التجويع كسلاح حرب.

الدور الإماراتي.. دعم خارجي يُغذي المأساة

في قلب الاتهامات المتكررة، يبرز دور دولة الإمارات التي تُتهم بتقديم دعم مالي وعسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع. تقارير أممية وصحفية متعددة وثقت تدفق السلاح عبر طرق معقدة إلى دارفور، ما ساعد هذه القوات على تعزيز قبضتها في مناطق النزاع.

هذه الاتهامات تشير إلى أن أبوظبي لا تكتفي بدور الممول، بل تشارك فعلياً في إطالة أمد الحرب عبر تغذية آلة القتل والانتهاكات. ما يجري في الفاشر اليوم يُعتبر – وفق ناشطين – جريمة حرب تشترك فيها أطراف إقليمية، تتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن تدمير السودان وتمزيق نسيجه الاجتماعي.

هذا الدور يعكس سياسة إماراتية قائمة على الهندسة الجيوسياسية عبر وكلاء محليين، كما حدث في ليبيا واليمن، حيث تم تمويل مليشيات تعمل خارج سلطة الدولة وتؤدي في النهاية إلى تفتيت المجتمعات المحلية.

مأساة إنسانية في ظل تقاعس دولي

منذ بداية الحرب السودانية، قُتل أكثر من 20 ألف شخص وفق تقديرات رسمية، بينما تشير دراسات أكاديمية مستقلة إلى أن العدد قد يقترب من 130 ألفاً، مع نزوح أكثر من 15 مليون شخص داخلياً وخارجياً. هذه الأرقام تجعل من السودان أكبر أزمة نزوح في العالم اليوم، ومع ذلك يبقى الاهتمام الدولي محدوداً مقارنة بأزمات أخرى.

المشهد الحالي في الفاشر يختزل ثلاثية الحرب السودانية: حصار وتجويع، دعم خارجي مشبوه، وصمت دولي يرقى إلى التواطؤ. وبينما يُختطف النساء والأطفال من داخل المخيمات، يواصل العالم إدارة ظهره لهذه الكارثة.

خاتمة: الفاشر جرس إنذار للعالم

حادثة اختطاف النازحات الثماني ليست مجرد خبر عابر، بل هي مؤشر إضافي على أن قوات الدعم السريع تستخدم المدنيين كورقة ضغط في حربها. ما يجري في دارفور اليوم يعيد للأذهان أبشع فصول الحروب الأهلية في إفريقيا، من رواندا إلى سيراليون، حيث كان الصمت الدولي شريكاً في المذابح.

الكرة الآن في ملعب المجتمع الدولي: إما أن يتحرك لوقف جرائم الحرب المدعومة إقليمياً، أو يظل متفرجاً على مدينة كاملة تُمحى من الوجود وسط حصار وتجويع وقتل ممنهج. الفاشر، بكل آلامها وصمود أهلها، ستبقى رمزاً لامتحان الضمير العالمي في مواجهة جرائم لا تقل فداحة عن أي إبادة جماعية شهدها التاريخ الحديث.

اقرأ أيضا : الأمم المتحدة: “الدعم السريع” يقتل 89 مدنيًا بالفاشر.. والإمارات شريك في الجريمة