تتواصل الاشتباكات العنيفة في العاصمة الليبية طرابلس بين قوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية من جهة، وقوات جهاز الردع مدعومة بقوات من المنطقة الغربية من جهة أخرى. 

وامتدت الاشتباكات إلى مناطق واسعة من العاصمة، مخلفة قتلى وجرحى، وسط حالة من الهلع بين المدنيين. وأفاد مراسل الجزيرة بأن القتال احتدم بشكل خاص في الأحياء الشمالية والجنوبية، مع تبادل السيطرة بين الطرفين على مواقع استراتيجية.

وفي إطار محاولة لتخفيف الضغط على قوات الردع، أقدمت قوات من مدينة الزاوية (غرب طرابلس) على إطلاق النار نحو قوات حكومة الوحدة الوطنية، مما زاد من تعقيد المشهد العسكري.

ونتيجة لتصاعد الاشتباكات، أعلنت أربع بلديات في العاصمة تعليق العمل والدراسة، كما تم تحويل جميع الرحلات القادمة إلى مطار معيتيقة الدولي (شرقي العاصمة) إلى مطار مصراتة الدولي.

الهلال الأحمر الليبي أعلن حالة الطوارئ ورفع درجة التأهب إلى المستوى الأقصى، مؤكدًا التزامه بتقديم الدعم الإنساني للمتضررين، في حين فرّ عدد من السجناء من سجن الجديدة جراء الاشتباكات، مما زاد من حالة الفوضى الأمنية.

مواقف سياسية ودعوات للتهدئة

في خضم هذه التطورات، دعا رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى توحيد الصفوف والالتفاف حول مشروع وطني يقطع الطريق أمام الفوضى، مشددًا على أن الحفاظ على السلم الاجتماعي في العاصمة مسؤولية جماعية. وأعرب المنفي عن قلقه من القرارات الانتقائية الصادرة عن رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، والتي وصفها وفد من منطقة سوق الجمعة بأنها تمس أجهزة أمنية فاعلة ومنضبطة في العاصمة.

وقد أثارت هذه التطورات ردود فعل دولية، حيث أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن عميق قلقها من تصاعد أعمال العنف في الأحياء السكنية، ودعت إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، مكررة استعدادها لبذل جهودها “الحميدة” لإنهاء القتال وتيسير سبل الحوار.

 وفي السياق ذاته، طالبت السفارة الفرنسية في ليبيا بوقف إطلاق نار فوري وغير مشروط في جميع المناطق المأهولة بالسكان في طرابلس.

لكن خلف هذه الدعوات الدولية للتهدئة، يظل الواقع الليبي معقدًا بفعل الصراع المستمر بين حكومتي الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في الغرب، وحكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في الشرق، مما يعمّق الانقسام السياسي والعسكري في البلاد.

دور الإمارات وتأجيج الصراع الليبي

وسط هذه الأزمة المتفاقمة، تبرز الإمارات كلاعب رئيسي في تأجيج الصراع الليبي عبر دعمها العسكري والمالي للواء المتقاعد خليفة حفتر، قائد ما يعرف بـ”الجيش الوطني الليبي” في الشرق. 

ومنذ اندلاع الصراع في ليبيا، قدمت الإمارات دعما مستمرا لحفتر، سواء بتزويده بالأسلحة أو المرتزقة، في محاولة لتمكينه من السيطرة على العاصمة طرابلس وإسقاط حكومة الوحدة الوطنية.

وقد وثّقت تقارير دولية استخدام الإمارات لمطار “الخادم” في شرق ليبيا كمركز لتوريد الأسلحة والذخائر لقوات حفتر، بما في ذلك الطائرات المسيرة والمدرعات. ولم يقتصر الدعم الإماراتي على الجانب العسكري، بل شمل أيضا الدعم السياسي والدبلوماسي، حيث دفعت أبوظبي نحو إضفاء الشرعية على حكومة حفتر في المحافل الدولية، في مقابل تقويض شرعية حكومة الدبيبة المعترف بها أمميا.

هذا الدور الإماراتي أثار انتقادات واسعة من قبل المراقبين الدوليين، الذين يرون أن تدخل أبوظبي يعرقل فرص تحقيق السلام في ليبيا ويعزز حالة الانقسام والتشرذم. 

فالأسلحة والمرتزقة التي قدمتها الإمارات لقوات حفتر أسهمت في إطالة أمد الصراع وتفاقم معاناة الشعب الليبي، في وقت يستمر فيه المجتمع الدولي بالدعوة إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وتبقى ليبيا، رغم ثرواتها النفطية، غارقة في دوامة من العنف والفوضى، وسط صراع على السلطة تغذيه التدخلات الخارجية والطموحات الشخصية للمتصارعين، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر في هذا النزاع الذي يبدو أنه بعيد عن نهايته.

اقرأ أيضًا : الدعم السريع تقصف سجنا شمال كردفان: إجرام إماراتي ودعم مستمر للميليشيات