مع اكتمال تشكيل مجلس النواب المصري واجتماعه الأول في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية، لم يحتج المشهد وقتًا طويلًا حتى يترسخ لدى قطاع واسع من المصريين شعور بالصدمة والإحباط. فبدل أن يعكس البرلمان –نظريًا– إرادة شعبية أو رقابة على السلطة، بدا أقرب إلى نادٍ مغلق تُعاد فيه تدوير النخب الأمنية والوزارية ورجال الأعمال، بعضهم متهم أو مدان في قضايا فساد مالي ونصب وتزوير والاستيلاء على المال العام. السؤال الذي فرض نفسه بقوة: لماذا سمح عبد الفتاح السيسي بمرور هذه الأسماء إلى البرلمان؟ وهل هو عجز أم خيار مقصود؟

برلمان مُفصَّل على مقاس السلطة

الانتخابات البرلمانية، التي امتدت 99 يومًا، أفرزت مجلسًا يهيمن عليه تحالف ما يُعرف بـ«القائمة الوطنية»، المكوَّنة من أحزاب مرتبطة مباشرة بالأجهزة السيادية. أكثر من 70% من المقاعد ذهبت إلى أربعة أحزاب، يتصدرها «مستقبل وطن»، بما يحوّل البرلمان عمليًا إلى ذراع تشريعي للأجهزة الأمنية لا ساحة نقاش سياسي. هذه الهيمنة لم تكن مجرد سيطرة عددية، بل انسحبت على رئاسة المجلس، وهيئة مكتبه، ورؤساء اللجان النوعية الـ25، التي مرت جميعها تقريبًا بالتزكية ودون منافسة.

الأمن أولًا… والتشريع لاحقًا

تكشف تركيبة اللجان عن أولوية واضحة: إحكام السيطرة الأمنية على مفاصل التشريع. رؤساء لجان أساسية كالدفاع والأمن القومي، والدستورية والتشريعية، والإدارة المحلية، جاؤوا من خلفيات عسكرية أو أمنية أو قضائية مرتبطة مباشرة بالنظام. وجود هذا الثقل الأمني لا يُقرأ باعتباره «خبرة دولة»، بل باعتباره ضمانة سياسية: برلمان لا يسائل، ولا يفتح ملفات، ولا يقترب من خطوط حمراء تتعلق بالمؤسسة العسكرية أو شبكات المصالح الاقتصادية المحيطة بها.

رجال أعمال بقضايا مفتوحة

الأخطر أن هذا البرلمان لم يقتصر على الأمنيين والوزراء السابقين، بل فتح أبوابه على مصراعيها لرجال أعمال تحوم حولهم شبهات واتهامات موثقة. أحكام بالحبس في قضايا نصب، ملفات تزوير وشيكات دون رصيد، اتهامات بالاستيلاء على أراضي الدولة، وقضايا اتجار في سلع فاسدة. ورغم ذلك، جلس هؤلاء تحت قبة البرلمان، بعضهم في مواقع مؤثرة كلجان الشؤون الاقتصادية، والطاقة، والسياحة، والزراعة، أي في لجان تصنع السياسات التي تمس مصالحهم المباشرة.

هذا التضارب الصارخ بين الدور التشريعي والمصلحة الخاصة لا يبدو خللًا عابرًا، بل جزءًا من منظومة أوسع تُعرف بـ«رأسمالية المحاسيب»، حيث تُمنح الحصانة السياسية مقابل الولاء، ويُغض الطرف عن الفساد طالما ظل صاحبه داخل بيت الطاعة.

الفساد كأداة حكم

في الأنظمة السلطوية، لا يكون الفساد استثناءً، بل وسيلة. السماح بمرور شخصيات متهمة أو مدانة إلى البرلمان يحقق للنظام عدة أهداف متداخلة. أولها ضمان الولاء المطلق؛ فالنائب الذي يحمل ملفًا قضائيًا أو تاريخًا ملتبسًا يعلم أن بقاءه مرهون برضا السلطة، لا بثقة الناخبين. ثانيها توظيف المال السياسي؛ فهؤلاء يمتلكون شبكات مصالح وقدرات مالية تُستخدم في شراء الولاءات، وتمرير القوانين، وخلق واجهة «دعم شعبي» مصطنعة.

وثالثها، وربما الأهم، قابلية التضحية. فحين يشتد الضغط الخارجي أو الداخلي، يستطيع النظام أن يقدّم بعض هذه الأسماء كقرابين، فيُحاكمهم أو يُقصيهم، مدّعيًا محاربة الفساد، دون أن يمس جوهر المنظومة.

توريث النفوذ… لا تمثيل الشعب

إلى جانب الفساد المالي، يبرز نمط آخر لا يقل خطورة: التوريث السياسي. أبناء وبنات نواب سابقين، وزراء، لواءات، ورجال أعمال، يتسللون إلى القوائم والاحتياطي، في مشهد يُعيد إنتاج نخبة مغلقة تتبادل المقاعد كما تُتبادل الشركات. البرلمان هنا لا يمثل مجتمعًا متنوعًا، بل عائلات وشبكات نفوذ، تُورّث السلطة كما تُورّث الثروة.

لماذا يسمح السيسي بذلك؟

الإجابة المختصرة: لأن هذا البرلمان هو ما يريده النظام. عبد الفتاح السيسي لا يبحث عن مؤسسة تشريعية مستقلة، بل عن غرفة تسجيل. السماح بدخول متهمين بالفساد ليس خطأ في التقدير، بل انعكاس لطبيعة الحكم ذاته، حيث يتحول التشريع إلى أداة حماية للمفسدين، والفساد إلى صمغ يربط أطراف السلطة ببعضها.

في هذا السياق، يصبح البرلمان مرآة صادقة للنظام: سلطة تقوم على الولاء لا الكفاءة، وعلى المحاسيب لا المؤسسات، وعلى الفساد المنظم لا دولة القانون. والنتيجة برلمان يشرّع للفقر، ويُحصّن النهب، ويُغلق آخر نوافذ الأمل أمام إصلاح حقيقي.

اقرأ أيضًا : اعتداء داخل الزنازين… رسالة قمع جديدة من سجون السيسي