شهدت العاصمة البريطانية لندن موجة اعتقالات مثيرة للجدل طالت خمسة من الناشطين البارزين في مجموعة Defend Our Juries، وذلك قبل أيام فقط من مظاهرة حاشدة مقررة أمام البرلمان رفضًا لحظر السلطات البريطانية لحركة Palestine Action.
الاعتقالات، التي وصفتها منظمات حقوقية بأنها “تكميم للأفواه”، أعادت إلى الواجهة السؤال عن الدور البريطاني في دعم الاحتلال الإسرائيلي، ليس فقط بالسلاح والسياسة، وإنما أيضًا عبر قمع أي صوت داخلي يتضامن مع الفلسطينيين أو يندد بالإبادة الجماعية في غزة.

اعتقالات استباقية تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”
أوضحت شرطة العاصمة البريطانية أن الاعتقالات تمت في إطار “تحقيق استباقي” تقوده وحدة مكافحة الإرهاب، حيث جرى توقيف الناشطين الخمسة – بينهم محامٍ حكومي سابق وطلاب – للاشتباه بـ”تشجيع دعم منظمة محظورة”، استنادًا إلى المادة 12 من قانون الإرهاب لعام 2000.
من بين المعتقلين تيم كروسْلاند، المحامي الحكومي السابق وأحد مؤسسي Defend Our Juries، والذي كان مقررا أن يلقي كلمة في مؤتمر صحفي ظهر الثلاثاء، إضافة إلى طالب القانون بادي فريند الذي اعتُقل فجرًا. التوقيت لم يكن بريئًا: إذ جرى إيقاف المتحدثين قبل مؤتمرهم مباشرة، في خطوة وصفتها المجموعة بأنها “اعتداء غير مسبوق على حرية التعبير في بريطانيا”.
منظمات حقوقية: “تكميم الأفواه وتبني أساليب سلطوية”
منظمة العفو الدولية سارعت إلى إدانة الخطوة ووصفتها بأنها “مقلقة للغاية”، محذرة من أن الناشطين السلميين قد يواجهون أحكامًا بالسجن تصل إلى 14 عامًا لمجرد دفاعهم عن قضايا إنسانية. وقالت كيري موسكوجيوري، مديرة الحملات في المنظمة: “هذا تصعيد خطير في تكميم الأفواه، ومثال مرعب على استعداد السلطات البريطانية لتبني ممارسات سلطوية لإسكات المعارضة”.
تصريحات العفو الدولية تعكس قلقًا أوسع في الأوساط الحقوقية من تحول القوانين البريطانية لمكافحة الإرهاب إلى أداة لتجريم التضامن مع فلسطين، فيما يُترك الاحتلال الإسرائيلي حرًا يرتكب أبشع الجرائم دون محاسبة.
احتجاجات متواصلة رغم الحظر
المظاهرة المرتقبة السبت المقبل ستكون الثانية أمام البرلمان منذ حظر حركة Palestine Action مطلع يوليو/تموز الماضي. المظاهرة الأولى شهدت مشاركة نحو ألف شخص، اعتُقل نصفهم، معظمهم من كبار السن. ورغم ذلك، يؤكد النشطاء أن الاحتجاجات ستستمر، رافعين شعارات مثل: “نحن نعارض الإبادة الجماعية.. نحن ندعم Palestine Action”.
الموعد الجديد يتزامن مع افتتاح معرض الأسلحة الدولي DSEI، أحد أكبر معارض السلاح في العالم، والذي يثير رفضًا شعبيًا متزايدًا نظرًا لدور بريطانيا في تصدير السلاح لدول متورطة في النزاعات، وعلى رأسها إسرائيل. حتى عمدة لندن، صادق خان، عبّر عن معارضته للمعرض واصفًا إياه بأنه “مشهد غير مقبول في وقت تواصل فيه إسرائيل حربها الدموية على غزة”.
Palestine Action: من تعطيل مصانع السلاح إلى التصنيف كـ”منظمة إرهابية”
تأسست حركة Palestine Action عام 2020، وذاع صيتها بعد تنفيذها سلسلة من الأنشطة المباشرة لتعطيل إنتاج السلاح الموجه إلى إسرائيل. أبرز هذه الأنشطة كان استهداف مصنع شركة “ألبيت سيستمز” الإسرائيلية في بريستول، حيث أدى تحرك النشطاء إلى تعطيل إنتاج الطائرات المسيّرة.
السلطات البريطانية، بدلاً من النظر إلى هذه الأنشطة باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة المدنية السلمية، تعاملت معها كتهديد “إرهابي”. نقطة التحول كانت في يونيو/حزيران الماضي، حين اقتحم ناشطون قاعدة “برايز نورتون” الجوية ورشّوا طلاءً أحمر على طائرات عسكرية بريطانية، ما دفع وزيرة الداخلية إيفيت كوبر إلى تقديم مشروع قانون لحظر المجموعة. وبموافقة مجلسي العموم واللوردات، أصبح الحظر نافذًا اعتبارًا من 5 يوليو الجاري.
ازدواجية فاضحة: دعم الاحتلال وقمع التضامن
اللافت أن بريطانيا – التي تتغنى بالحريات وحرية التعبير – تنقلب فجأة على هذه المبادئ عندما يتعلق الأمر بفلسطين. فهي تستضيف معارض السلاح التي تبيع الأسلحة إلى إسرائيل، وتغض الطرف عن الجرائم المرتكبة في غزة، لكنها في المقابل لا تتسامح مع أي نشاط شعبي يعارض الإبادة الجماعية.
منذ 7 أكتوبر 2023، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي إبادة جماعية أودت بحياة أكثر من 63 ألف فلسطيني وأصابت ما يزيد عن 160 ألفًا، معظمهم من الأطفال والنساء، مع آلاف المفقودين ومئات آلاف النازحين. ورغم هذا السجل الدموي، لم تتوقف بريطانيا عن تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي لإسرائيل، بل ذهبت أبعد من ذلك عبر تجريم الأصوات المتضامنة مع ضحايا الإبادة.
بريطانيا شريك مباشر في الجريمة
هذه الاعتقالات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الدور التاريخي لبريطانيا في مأساة فلسطين، بدءًا من “وعد بلفور” الذي شرعن الاستيطان الصهيوني، وصولًا إلى اليوم حيث تُستخدم القوانين البريطانية لتجريم التضامن مع الفلسطينيين. ما يجري في لندن هو جزء من معركة أكبر: معركة على الرواية، وعلى حق الشعوب في مواجهة الاستعمار والاحتلال.
إن اعتقال ناشطين سلميين لا يعكس فقط تواطؤ الحكومة البريطانية مع الاحتلال، بل يضعها في خانة الشريك المباشر في الإبادة. فحين تُجرّم المعارضة بينما يُسمح للإبادة أن تستمر بلا محاسبة، تصبح بريطانيا طرفًا متورطًا لا يمكن أن يتذرع بالديمقراطية أو القانون.
خلاصة: قمع داخلي لخدمة الإبادة في غزة
الرسالة واضحة: بريطانيا لا تريد أن تُسمع أصوات معارضة لسياساتها الداعمة للاحتلال. الاعتقالات الأخيرة محاولة فاشلة لإسكات التضامن الشعبي مع غزة، لكنها في الوقت نفسه كشفت حجم التناقض بين خطاب لندن عن الحريات وممارساتها السلطوية.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: هل تستطيع بريطانيا أن تخفي وجهها الحقيقي كراعٍ للإبادة في غزة عبر قمع الأصوات الحرة في شوارعها؟ الوقائع تقول لا؛ فالمظاهرات تتواصل، والوعي الشعبي يتنامى، والعار سيلاحق كل من تواطأ في هذه الجريمة.
اقرأ أيضا : دماء الحقيقة لا تُطمس: 247 شهيدًا من الصحفيين في حرب الإبادة على غزة