في مشهد يهزّ الضمير الإنساني، لم يتمالك طفل في الثامنة من عمره دموعه، وهو يرى والده، البروفيسور الفلسطيني – البريطاني مكرم خوري مخول، يُستجوب ويُفتش لساعات طويلة في أحد مطارات لندن، بينما يقف هو عاجزًا في منتصف الليل، يتأمل عيون رجال الأمن ويسأل بعينيه عن ذنب أبيه. 

تلك الحادثة، التي وقعت مساء الجمعة 18 أبريل 2025، عند عودة خوري من باريس، لم تكن مجرد إجراء روتيني، بل كشفت عن وجه آخر لبريطانيا “الديمقراطية”، حيث تُمارَس الملاحقة الأمنية بغطاء قانوني ضد شخصيات أكاديمية لمجرد انتمائها الفلسطيني أو مواقفها الفكرية.

بحسب بيان “دارة فلسطين” في بريطانيا، تم التحقيق مع خوري مخول لأربع ساعات تحت قانون “مكافحة الإرهاب وأمن الحدود 2019″، وهو قانون لطالما اُنتقد لتوسيعه صلاحيات الشرطة بشكل يُمكّنها من استجواب أي شخص من دون تهمة أو إذن قضائي. 

لم يكتفِ رجال الأمن بذلك، بل صادروا حاسوبه وهاتفه وبطاقاته، وسط غياب أي تفسير منطقي أو اتهام واضح، وكأن مجرد كونه فلسطينيا هو تهمة كافية تستدعي التفتيش والإهانة.

الإذلال.. سياسة ممنهجة تحت غطاء القانون

الخطير في القضية لا يكمن فقط في احتجاز خوري، بل في سياقها العام، حيث تتصاعد منذ أشهر حملة مقلقة تستهدف الجالية الفلسطينية في بريطانيا. ومنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر 2023، اعتُقل العشرات من الفلسطينيين البريطانيين أو خضعوا للتحقيق تحت البند السابع من قانون الإرهاب، في ما يبدو أنها سياسة ممنهجة لتكميم الأفواه، والتضييق على كل من يعبّر عن دعمه لفلسطين.

رئيس حزب العمال البريطاني، جورج غالاوي، عبّر في بيان عاجل عن إدانة حزبه لما وصفه بـ”التمييز العنصري الممنهج” بحق الفلسطينيين، متهماً الشرطة البريطانية بتحويل القانون إلى أداة قمع سياسي. وأكد أن ما جرى مع البروفيسور خوري هو استمرار لسلسلة من الانتهاكات الموجهة ضد أصحاب المواقف السياسية الداعمة لفلسطين، وليس له أي علاقة فعلية بالأمن.

فما معنى أن يُفتش أكاديمي معروف، دون سابق إنذار، ويُصادر كل ما لديه من بيانات؟ لماذا يُرغم على الخضوع لساعات من التحقيق بينما طفله يشهد تلك الانتهاكات المؤلمة؟ وكيف لبريطانيا، التي تروّج لنفسها باعتبارها مهد الحريات والحقوق، أن تمارس مثل هذه السياسات العنصرية بدم بارد؟

حين يسقط القناع عن دولة الحريات

الحادثة الأخيرة فتحت الباب لتساؤلات حقيقية حول ازدواجية المعايير البريطانية. فبينما تنتقد لندن دولًا حول العالم بسبب “انتهاكات حقوق الإنسان”، تمارس أجهزتها الأمنية ما هو أسوأ من ذلك تحت ذريعة الأمن ومكافحة الإرهاب. 

فأن يُعامل أكاديمي يحمل الجنسية البريطانية وكأنه خطر على الأمن القومي لمجرد انتمائه العربي، فهذا يوضح أن مسألة “الاندماج” و”المواطنة” في بريطانيا ليست سوى شعارات شكلية، تنهار عند أول اختبار سياسي أو عرقي.

الأكثر مأساوية أن الطفل البريء، الذي رافق والده في رحلة تعليمية ثقافية، خرج منها محمّلًا بذكريات لا تليق بطفولته.

رأى بعينيه كيف تُمارس العنصرية تحت ضوء الكاميرات، وكيف يتحول أبوه المثقف والمحاضر الجامعي إلى متّهم بلا تهمة، ومجرم بلا جريمة. مشهد بكاء الطفل أمام رجال الأمن، وصمته المذهول، ربما يكون أبلغ تعبير عن حجم الانكسار الذي يُفرض على الفلسطيني أينما وُجد، حتى وهو يحمل جنسية أوروبية.

استهداف الهوية.. ومحاولة تكميم الضمير

خوري مخول، الذي يُعرف بمشاركته في الحوارات الثقافية والدفاع عن القضية الفلسطينية، لم يكن هدفًا أمنياً بالمعنى التقليدي، بل كان هدفًا سياسيًا. تاريخه النضالي وكلماته في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين هي التي أرعبت السلطات، لا حقائبه أو بياناته. 

يبدو أن بريطانيا، كغيرها من الدول الغربية، بدأت تنزلق نحو استخدام قوانين الإرهاب كسلاح ضد كل من يجرؤ على تحدي السردية الصهيونية المهيمنة على الإعلام والقرار.

إن توقيت الحادثة في يوم الجمعة العظيمة، وهي مناسبة دينية هامة في بريطانيا، يحمل أيضًا رمزية إضافية، وكأن السلطات أرادت إرسال رسالة بأن لا قدسية لحق أو كرامة إذا تعلق الأمر بالفلسطيني. بل يُمكن سحق الأكاديمي، وترك الطفل ينهار نفسيًا، دون أي حساب أو حتى اعتذار رسمي.

إلى أين تمضي بريطانيا؟

ما جرى للبروفيسور خوري مخول ليس حادثًا فرديًا، بل مؤشر خطير على التحول القمعي الذي تشهده بريطانيا تجاه الفلسطينيين والبريطانيين العرب عمومًا. حين تتحول دولة القانون إلى دولة مراقبة، وحين يُعامل الفكر على أنه تهديد، تصبح الحريات كلمات فارغة لا قيمة لها. 

وإذا لم يتدخل المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الحقوقية، لفضح هذه الممارسات، فإن الباب سيُفتح على مصراعيه لمزيد من الانتهاكات تحت ستار “الأمن القومي”.

الرسالة التي خرجت من مطار لندن لم تكن مجرد إذلال لرجل وطفله، بل كانت صفعة لكل من اعتقد أن الجنسية البريطانية تحمي الإنسان من التمييز، أو أن الفكر يمكن أن يُفصل عن السياسة. 

والمفارقة أن هذا القمع جرى في بلد كان يومًا ما يُفاخر بأنه حامي الحريات، فإذا به اليوم يُعيد إنتاج أدوات الاستعمار، ولكن هذه المرة على أرضه، ضد أبناء المستعمرات السابقة.

اقرأ أيضًا : “صلاة في قلب العدوان”.. السفير الأمريكي الجديد يبدأ مهامه من حائط البراق برسالة ولاء لنتنياهو وغطاء لجرائم الاحتلال