العلاقات بين المملكة المتحدة والاحتلال الإسرائيلي تشهد انهيارًا غير مسبوق، بعد أن أعلنت الحكومة البريطانية تعليق المفاوضات الجارية بشأن اتفاقية تجارة حرة جديدة، في خطوة غير تقليدية تعبّر عن الغضب من السياسات الإسرائيلية واللغة المتطرفة التي يستخدمها وزراء في حكومة نتنياهو، والذين دعوا بشكل صريح إلى “تطهير غزة” وتهجير سكانها الفلسطينيين.
وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي وصف هذه التصريحات بأنها “مقززة، متطرفة، ووحشية”، وأضاف أن ما تفعله الحكومة الإسرائيلية يمثل “إهانة لقيم الشعب البريطاني”، ويتناقض تمامًا مع المبادئ التي تقوم عليها العلاقات الثنائية بين البلدين، كما أعلن أن خارطة الطريق الاستراتيجية المستقبلية بين المملكة المتحدة وإسرائيل تخضع للمراجعة.
في الوقت نفسه، قرر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماعهم في بروكسل، مراجعة اتفاقية الشراكة التجارية القائمة مع إسرائيل، بناءً على طلب وزير خارجية هولندا، وقد أيدت القرار 17 من أصل 27 دولة في الاتحاد، رغم أن إسرائيل تعتمد على الاتحاد الأوروبي كأكبر شريك تجاري لها، إذ يشكل 32% من إجمالي تجارتها في السلع عام 2024.
لامي صعّد لهجته بشكل لافت، وندد بالتصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل في قطاع غزة، مؤكدًا أنه “لا يمكن تبريره أخلاقيًا، وغير متناسب بشكل كلي، ويأتي بنتائج عكسية تمامًا”. وبينما كان يدلي بتصريحاته أمام مجلس العموم، علت أصوات نواب تصف ما يحدث في غزة بـ”الإبادة الجماعية”.
قال لامي إن حكومة نتنياهو تخطط لدفع الفلسطينيين في غزة إلى أقصى الجنوب، ومنحهم جزءًا ضئيلًا فقط من المساعدات التي يحتاجونها للبقاء، مضيفًا: “نحن الآن أمام مرحلة مظلمة جديدة في هذا الصراع”.
ردّ الاحتلال جاء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، الذي اتهم بريطانيا بـ”الهوس المعادي لإسرائيل”، وأضاف: “إذا كانت الحكومة البريطانية على استعداد للإضرار باقتصادها من أجل مصالح داخلية أو انحياز ضد إسرائيل، فهذا شأنها”، زاعمًا أن الضغط الخارجي لن يغيّر من مسار إسرائيل “في الدفاع عن وجودها وأمنها”.
لامي، من جانبه، هاجم تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الذي دعا إلى “تطهير غزة”، و”تدمير ما تبقى”، ونقل السكان إلى دول ثالثة، وقال أمام النواب: “علينا أن نسمي الأمور بأسمائها. هذا تطرف. هذا خطر. هذا مقزز. هذا وحشي”.
كما أعلن أنه استدعى سفيرة الاحتلال لدى لندن، تسيبي حوتوفيلي، لإبلاغها بمطالب بريطانيا بوقف العدوان فورًا. وأكد أن ما جرى في 7 أكتوبر كان “هجومًا شنيعًا”، وأن من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، لكنه شدد على أن استمرار التصعيد العسكري لا يؤدي إلى إعادة الأسرى، بل “يصنع كارثة إنسانية جديدة”.
لامي أشار إلى أن أقل من 10 شاحنات مساعدات دخلت غزة في اليوم السابق، رغم وجود خطة جاهزة من الأمم المتحدة لإدخال أكثر من 9,000 شاحنة. وقال: “ما يحدث أن المدنيين في غزة، الجوعى والمشردين والذين يعيشون صدمة الحرب، يواجهون الآن قصفًا متجددًا، وتشريدًا جديدًا، ومعاناة جديدة. أما الأسرى المتبقون، الذين مضى نحو 600 يوم على احتجازهم، فإنهم الآن في خطر أكبر بسبب هذا التصعيد”.
وأضاف: “الحكومة الإسرائيلية تضر بسمعة إسرائيل عالميًا، وتعزلها عن أصدقائها، وتقوّض مصالح شعبها، وتشوه صورتها في نظر العالم. وهذا مؤلم للغاية بالنسبة لي كشخص اعتبر نفسه صديقًا لإسرائيل طوال حياته”.
لكن هذا الخطاب لم يكن كافيًا بالنسبة لعدد كبير من نواب البرلمان البريطاني، بمن فيهم نواب من حزب المحافظين، الذين اعتبروا تعليق محادثات التجارة الحرة إجراءً رمزيًا غير كافٍ، وطالبوا بإجراءات ملموسة، منها فرض حظر كامل على تجارة السلاح مع إسرائيل، والاعتراف الفوري بدولة فلسطين في مؤتمر الأمم المتحدة الشهر المقبل.
النائب المحافظ كيت مالتهاوس خاطب لامي قائلًا: “هو يعلم، كما أعلم أنا، أن الإسرائيليين لا يهتمون بما يُقال هنا”، وتابع بسخرية غاضبة: “هل تحتاجون أن نتوسل لأجل أرواح أطفال غزة قبل أن تتحركوا بإجراء حقيقي؟”
لامي ردّ بأن هذا غير دقيق، وأكد أن فرض العقوبات الإضافية جاء ردًا مباشرًا على ممارسات حكومة نتنياهو والتصريحات الصادرة من وزرائها، وأعلن فرض عقوبات على ثلاثة مستوطنين إسرائيليين وأربع كيانات تنشط في الضفة الغربية، من بينها المستوطِنة المتطرفة دانييلا فايس، زعيمة حركة “نحالا”، التي ظهرت مؤخرًا في فيلم وثائقي عن الاستيطان.
شملت العقوبات أيضًا مستوطنة تُعرف باسم “مزرعة صَبّاح”، والتي انطلقت منها هجمات على مدرسة فلسطينية. وعند سؤال فايس عن موقفها، سخرت من العقوبات ووصفتها بأنها “طفولية”، مؤكدة أنها لا تؤثر عليها شخصيًا، وقالت: “زوجي حجز لنا تذاكر لجولة حول العالم… دون المرور ببريطانيا”، وادعت أن “إسرائيل لم تبدأ الحرب، بل كانت ترد على هجوم”.
رغم هذه الإجراءات، رفض لامي حتى الآن فرض عقوبات مباشرة على الوزيرين سموتريتش وبن غفير، لكنه قال إن تصريحاتهما ستظل “قيد المراجعة”، خاصة بعد تصريح سموتريتش: “كما سوّينا رفح بالأرض، سنسوّي غزة كلها”.
كما طالب لامي بوقف الحصار فورًا، والسماح بدخول المساعدات، مؤكدًا أن “إعلان إدخال كمية رمزية من الغذاء لا يكفي”، ودعا إلى تنسيق دولي عاجل لأن “هذا العدوان طال أكثر مما ينبغي، ولا يمكن السماح باستمرار تجويع أهل غزة”.