البيت الأبيض شنّ هجومًا علنيًا على هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بسبب تغطيتها لمجزرة ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي قرب مركز لتوزيع المساعدات في رفح، وهي مجزرة أسفرت عن مقتل أكثر من 20 فلسطينيًا وفق ما أكدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

كارولين ليفيت، المتحدثة باسم ترامب، اتهمت BBC بأنها اضطرت إلى حذف تقريرها لاحقًا، زاعمةً أن الشبكة راجعت اللقطات ولم تجد ما يدين الاحتلال. لكن BBC ردت بقوة مؤكدة أن التقرير لم يُحذف أبدًا، وأنها فقط حدّثت عدد القتلى مع ورود معلومات جديدة، كما تفعل في كل النزاعات. وبيّنت أن المتحدثة خلطت عمدًا بين تغطية الحدث، وبين تقرير تحقق بصري لم يُستخدم في النشرة، ما اعتبرته تضليلًا صريحًا من الإدارة الأميركية.

لكن خلف هذا السجال الإعلامي تكمن معركة أخطر: البيت الأبيض يريد إعلامًا بلا ضمير. إعلامًا لا يُظهر إلا ما يُرضي إسرائيل، ويُقصي أي حقيقة تُوثّق المجازر. يريد أن تُحذف الحقيقة من العناوين، وتُدفن الجثث خلف الكواليس.

المفارقة أن BBC نفسها، ومنذ بداية الحرب، لم تكن يومًا صوتًا للفلسطينيين، بل وُجهت إليها انتقادات واسعة لتغطيتها المنحازة، وتبنّيها شبه الكامل للرواية الإسرائيلية، خاصة وأنها تجاهلت مئات الصور والمشاهد القادمة من غزة، رفضت وصف ما يحدث بأنه “إبادة”، وتبنّت مصطلحات السلطة في تل أبيب.

بل قامت BBC قبل أشهر قليلة بسحب وثائقي بعنوان “غزة: كيف تنجو من منطقة حرب” من منصتها iPlayer بعد أن تبين أن الراوي، الطفل عبد الله اليازوري، هو نجل أيمن اليازوري، نائب وزير الزراعة في حكومة غزة. خطوة كهذه لا يمكن فهمها إلا باعتبارها تصرفًا منحازًا يفتقر إلى أدنى معايير احترام الطفولة، وتُجسد منطق العقاب الجماعي، إذ يُحاسب طفل على موقع والده السياسي. القرار يعكس عنصرية ناعمة تتماهى مع منظومة الفصل العنصري التي تبرر قصف الأطفال وتُجرّم صوتهم إذا نطق بالحقيقة.

ورغم ذلك، لم يكن هذا كافيًا للبيت الأبيض، حيث أرادها أكثر تطرفًا، أكثر خضوعًا، أكثر رقابة، وحتى هذا الحد من الانحياز لم يُرضِه.

في ضوء هذا التصعيد، تتجاوز المعركة حدود التغطية الإعلامية لتصبح معركة على الحقيقة نفسها. البيت الأبيض لا يطالب بتحقيق التوازن أو التحقق من المصادر، بل يضغط علنًا لتكميم الإعلام الغربي، حتى عندما يكون خاضعًا ومتحفظًا أصلًا تجاه المأساة في غزة. يريد رواية واحدة، بلاغًا رسميًا واحدًا، ووسائل إعلام تتحول إلى ناطق باسم الاحتلال. ما يجري ليس مجرد انتقاد لهيئة إعلامية، بل محاولة ممنهجة لسحق أي مساحة قد تُذكّر العالم بأن المجازر في غزة ليست وجهة نظر، بل وقائع موثقة ومستمرة.