تصاعدت احتجاجات المعطلين عن العمل في تونس، مع مطالبة حاملي الشهادات العليا العاطلين السلطات بتفعيل الانتدابات وتوفير وظائف لنحو 10 آلاف خريج، في مشهد يعكس اتساع الأزمة الاجتماعية واستمرار البطالة رغم الوعود الرسمية المتكررة بمعالجتها.

وبحسب ما أوردته الجزيرة، رفع المحتجون مطالب مرتبطة بحقهم في العمل ورفض استمرار انتظارهم لسنوات من دون حلول واضحة، مؤكدين أن البطالة لم تعد أزمة فردية، بل قضية اجتماعية تطاول آلاف الأسر التونسية.

سنوات من الانتظار بلا حل

تعكس التحركات حجم الإحباط بين خريجين أمضوا سنوات في الدراسة ثم وجدوا أنفسهم خارج سوق العمل، وسط ضعف فرص التوظيف في القطاعين العام والخاص.

ويقول المحتجون إن المشكلة لا تتعلق فقط بعدم وجود وظائف، بل أيضًا بغياب مسار واضح وعادل للانتداب، وتأخر تنفيذ الوعود التي قدمتها السلطات لمعالجة ملف أصحاب الشهادات المعطلين.

10 آلاف خريج ينتظرون فرصة عمل

يركز الحراك الحالي على نحو 10 آلاف خريج يطالبون بإيجاد تسوية فعلية لأوضاعهم، سواء عبر الانتداب في مؤسسات الدولة أو توفير برامج تشغيل حقيقية ومستدامة.

لكن الأزمة أعمق من هذا الرقم؛ إذ تعاني تونس منذ سنوات من معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب وأصحاب الشهادات الجامعية، مع تفاوت كبير بين المناطق الساحلية والداخلية.

قيس سعيّد أمام اختبار اجتماعي جديد

تضع هذه الاحتجاجات سلطة قيس سعيّد أمام اختبار جديد، خصوصًا أن الخطاب الرسمي ركز لسنوات على «تصحيح المسار» وإعادة الدولة إلى خدمة المواطنين، بينما لا تزال البطالة وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية من أبرز المشكلات التي يواجهها التونسيون يوميًا.

وهنا تظهر فجوة واضحة بين الشعارات السياسية والواقع الاجتماعي: فالتونسي الذي أنهى دراسته لا يحتاج إلى خطاب جديد، بل إلى وظيفة ودخل واستقرار.

الأزمة ليست بطالة فقط

تأتي مطالب الخريجين في ظل وضع اقتصادي صعب يشمل تباطؤ النمو، وارتفاع الأسعار، ونقص بعض السلع، وتزايد الضغوط على المالية العامة.

وهذه العوامل تجعل الحكومة أكثر حذرًا في فتح باب التوظيف العمومي، لكنها في المقابل تترك آلاف الشباب من دون بدائل حقيقية.

وبذلك تتحول البطالة من أزمة اقتصادية إلى عامل سياسي؛ فكلما طال الانتظار، زاد الشعور بأن الدولة غير قادرة على توفير أبسط شروط الاستقرار الاجتماعي.

من وعود الثورة إلى الإحباط

من المفارقات أن ملف التشغيل كان أحد أهم مطالب التونسيين منذ ثورة 2011، خصوصًا في المناطق الداخلية التي عانت طويلًا من التهميش والبطالة.

وبعد أكثر من 15 عامًا، لا تزال الشعارات نفسها تعود إلى الشارع: شغل، كرامة، وعدالة اجتماعية.

وهذا يعكس أن الأزمة التي فجرت الغضب الشعبي قبل سنوات لم تُحل جذريًا، بل تغيرت الحكومات والأنظمة السياسية بينما بقيت مشكلات التشغيل والتنمية على حالها.

الاحتقان الاجتماعي يتسع

إذا استمرت السلطات في التعامل مع مطالب الخريجين بالحلول المؤقتة أو التأجيل، فقد يتوسع الحراك إلى قطاعات ومناطق أخرى، خصوصًا في ظل تراجع الثقة في قدرة المؤسسات على معالجة الأزمة الاقتصادية.

فالمشكلة اليوم ليست فقط في عدد الوظائف المطلوبة، بل في شعور جيل كامل بأن سنوات الدراسة لم تمنحه أي ضمان للمستقبل.

مطالبة 10 آلاف خريج بوظائف ليست مجرد تحرك نقابي محدود؛ إنها مؤشر جديد على أزمة اجتماعية أعمق في تونس. وبين البطالة وغلاء المعيشة وتراجع الأمل، يجد قيس سعيّد نفسه أمام السؤال الذي لم تستطع الحكومات المتعاقبة الإجابة عنه منذ الثورة: ماذا بقي من وعود الكرامة إذا ظل آلاف الشباب بلا عمل ولا أفق؟