لقد مرّ 24 عيدًا على أكثر من 60 ألف معتقل سياسي في سجون النظام المصري، بينهم من قضى 13 عامًا لم يحتفل فيها مرة واحدة بالعيد مع أطفاله، أو يشارك زوجته وأمه فرحة العيد، أو يشتم رائحة ملابس جديدة.
عيد الفطر هذا العام، والذي وافق لم يكن مختلفًا عن سابقيه بالنسبة لعائلات المعتقلين، هي ذات الدموع التي تنهمر، وذات الحجرة التي تُعطر انتظارًا لمن لا يعود، وذات الحكايات التي تتكرر عن وجع الفقد، وكأن الزمان تجمّد على مشهد القهر.
أسر المعتقلين في مصر لم تعد تعد الأعياد، عبارة “بطلنا نعد” أصبحت شعارًا متداولًا بينهم، ليس فقط على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أيضًا في أحاديثهم اليومية، في جلساتهم الحزينة، في رسائلهم التي لم تصل، وفي صور العيد القديمة التي صارت تؤلم أكثر مما تسعد.
تقول إحدى زوجات المعتقلين “تعبنا من تكرار الأعياد، ومن وجع الغياب، وكأن الحياة تُعيد عقوبتنا في كل مناسبة”.
منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، أصبح العيد مناسبة تُذكر فيها الأسر ليس فقط بغياب أحبائهم، بل بانكسار الوطن، واغتيال الحلم، وخيانة الدولة لمواطنيها. لقد تم تغييب عشرات الآلاف في سجون لم يُبنَ معظمها سوى خصيصًا لقمع المعارضة، وأصبح العيد ذكرى حزينة تتكرّر، بلا أمل يُنهي هذا الظلم.
من “العز إلى ذل الحاجة”.. السجن لا يعاقب السجين فقط
اللافت في حديث أهالي المعتقلين، أن مأساة السجن لم تطل فقط ذويهم المحبوسين، بل امتدّت لتفتك بحياتهم هم أيضًا، “من العز إلى ذل الحاجة”، هكذا وصف أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين أحوال أكثر من 50 أسرة يعرفها في حي الخصوص بمحافظة القليوبية، كلها تأثرت ماديًا واجتماعيًا بشكل كارثي نتيجة سجن أحد أفرادها.
الزيارات التي تبدأ بسفر ساعات وتنتهي بفتات دقائق، تكلف مئات الجنيهات في وقت يعيش فيه المواطن المصري أزمة اقتصادية خانقة، العائلات أصبحت بلا عائل، الأبناء بلا مستقبل، الزوجات تتحمل عبء الأسرة وحدهن، والجدات يتهالكن من الألم في بيوت فرغت من البهجة.
رغم ذلك، تستمر الأسر في مقاومة اليأس، تعلق آمالها على كل باب، وتنتظر أي بادرة خير.
هم لا يطلبون سوى الإفراج عن ذويهم، ليس لأي صفقة أو مساومة، بل فقط لأنهم لم يرتكبوا جرمًا يستحقون عليه السجن، لأنهم عبّروا عن رأي، أو شاركوا في مظاهرة، أو حلموا بوطن حر.
لكن النظام، بقيادة عبد الفتاح السيسي، لا يبدي أي نية لإغلاق هذا الملف. بل يزداد تعنتًا، يرفض أي حديث عن المصالحة، ويواصل نهج الاعتقال التعسفي، رغم مرور أكثر من عقد على هذه الأزمة.
وهذا ما وصفه أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية أحمد جاد بـ”الغباء السياسي”، قائلاً إن النظام يقف الآن عند مفترق طرق حرج: إما أن يصالح شعبه ويستعيد بعضًا من شرعيته المفقودة، أو يواصل القمع فيخسر كل شيء.
المرأة في السجون.. مأساة مضاعفة
المرأة المعتقلة في مصر تعيش قصة أكثر قسوة. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون العيد مناسبة للرحمة والكرامة، تقضي المعتقلات أعيادهن في زنزانات باردة، محرمات من أطفالهن، محرومات من حق العلاج، وقد طال غيابهن لسنوات.
إسراء خالد، الطالبة الشابة، تدخل عامها الحادي عشر خلف القضبان. أسماء عبد الرؤوف تقضي العيد التاسع في السجن، بينما يربي ابنتها جدها وجدتها. وصال حمدان مصيرها مجهول منذ 2019، وتركت وراءها طفلين.
عائشة الشاطر، فوزية إبراهيم، نجلاء مختار، منار أبو النجا، وغيرهن كثيرات، يحملن وجعًا مضاعفًا في صمت لا تلتفت إليه الدولة ولا الإعلام الرسمي.
ويصل القهر إلى ذروته في مشاهد مثل التي روتها أم المعتقل عمر، التي كانت تُنظف حجرته وتزيّنها كل عيد، بانتظار خروجه، قبل أن تنهكها السنون وتترك الغرفة كما هي.
أو تلك الأم التي يقول ابنها المعتقل إن زيارة العيد “هي الأصعب نفسيًا” عليه، لأنها تذكره بأنه لا يزال خلف الجدران بينما الجميع يحتفل.
في سجون بدر والوادي الجديد وجمصة وغيرها، يمضي العيد بمرارة مضاعفة، كما كشفت المعتقلة السابقة أميرة حلمي عمّار، التي وصفت يوم العيد في السجن بـ”الكئيب”، حيث يُغلق باب الزنزانة طوال اليوم، بلا رياضة، بلا شمس، بلا أبسط حقوق الإنسان.
أصوات تصرخ من الظلام.. ولكن من يسمع؟
الحقوقي أحمد العطار كشف أن المحامي المعتقل محمد أبو هريرة دخل في إضراب عن الطعام لأكثر من 17 يومًا خلال رمضان، وأن حالته الصحية تدهورت وتم نقله إلى مستشفى بدر.
وهو نموذج واحد فقط من مئات يعانون الإهمال الطبي والتنكيل المتعمد. لكن هذه الأصوات تُقمع داخل السجون، ولا يسلط الضوء عليها إلا حين يصل أحدهم إلى حافة الموت.
المثير للسخرية أن النظام ذاته يزعم في خطاباته أنه يفتح أبواب الحوار الوطني، ويرعى حقوق الإنسان، بينما يحبس آلافًا بلا تهمة أو بمحاكمات جائرة. كيف يمكن أن تتحدث الدولة عن “جمهورية جديدة”، بينما سجناء الرأي ما زالوا يدفعون ثمن كلمة أو منشور على “فيسبوك”؟!
القاضي السابق وليد شرابي أرسل رسالة أمل إلى المعتقلين، قائلاً إن من دبّر التغيير في سوريا وفلسطين والسودان، قادر على أن يبدّل الحال في مصر. ويضيف: “قد لا نملك القرار، ولكننا نملك الإيمان، والصبر، والكلمة”.
عيد بلا حرية.. وطن بلا مصالحة
في النهاية، ليس الحديث عن المعتقلين السياسيين حديثًا عن الماضي، بل عن الحاضر والمستقبل. هؤلاء المعتقلون ليسوا غرباء عن المجتمع، بل هم عماده، أساتذة جامعات، أطباء، مهندسون، نشطاء، طلاب.
لا يمكن لمصر أن تنهض بوجودهم في السجون، كما قال الناشط الحقوقي أحمد ماهر: “لا يمكن الحديث عن النهضة ووقودها محبوس”.
ما يجري في مصر ليس فقط مأساة إنسانية، بل أزمة وطنية تهدد نسيجه الاجتماعي وتغلق أي أفق للمصالحة أو الاستقرار، والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ليست نداءً عاطفيًا، بل ضرورة عقلانية لأي نظام يريد البقاء والدعم الشعبي في وقت تتكالب فيه الأزمات.
الآن، وبعد 24 عيدًا بلا لقاء، ألا يحق لهؤلاء أن يعودوا؟ ألا تستحق أمهات المعتقلين أن يرين أبناءهن في العيد؟ ألا يجب أن تتوقف هذه الكارثة الوطنية التي تُسجّل في ضمير الأجيال القادمة كوصمة عار؟
قد تكون الدولة بيدها قرار الإفراج، لكنها لا تملك أن تُطفئ لهيب القهر في قلوب هؤلاء الذين ينتظرون كل عيد من دون أن يأتي الفرج.
وما لم تتخذ القيادة خطوة شجاعة، فسيبقى العيد مرثية تتكرر، وستبقى دموع الأمهات هي زينة العيد في “جمهورية الخوف”.
اقرأ أيضًا : بعد مرور عقد من الزمان.. ماذا خسرت مصر من “اتفاق مبادئ سد النهضة”؟