أعلنت السلطات الإماراتية، الجمعة 4 سبتمبر/أيلول 2026، صدور عفو عن الشاعر المصري عبد الرحمن يوسف القرضاوي، بعد ثمانية أيام فقط من الحكم عليه بالسجن عشر سنوات وغرامة قدرها 200 ألف درهم، فيما لا تزال المخاوف قائمة بشأن مصيره وإمكانية تسليمه إلى السلطات المصرية.

وكانت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية – دائرة الجرائم الإلكترونية – قد قضت في 27 أغسطس/آب الماضي بإدانة القرضاوي في التهم المسندة إليه ومعاقبته بالسجن لمدة عشر سنوات وتغريمه 200 ألف درهم، قبل أن تعلن أبوظبي اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ العفو عنه.

ويأتي القرار بعد مسار أثار انتقادات حقوقية واسعة، بدأ بتوقيف القرضاوي في لبنان أواخر ديسمبر/كانون الأول 2024، عقب عودته من سورية، قبل أن تقرر السلطات اللبنانية تسليمه إلى الإمارات في يناير/كانون الثاني 2025، رغم تحذيرات منظمات حقوقية من المخاطر التي قد يتعرض لها.

وارتبطت ملاحقة القرضاوي بمقطع مصور نشره من دمشق تضمن مواقف وانتقادات سياسية لسلطات عربية، لتتحول القضية من تعبير سياسي إلى احتجاز ومحاكمة انتهت بإصدار حكم بسجنه لعقد كامل.

واعتبر منتقدون أن ما تعرض له القرضاوي يمثل غدراً به، بداية من ملاحقته وتسلمه من لبنان، مروراً باحتجازه ومحاكمته، وصولاً إلى الحكم القاسي الصادر بحقه، قبل أن تسقط الإمارات تنفيذ العقوبة بعد ثمانية أيام فقط من صدورها.

ولا يمحو العفو الفترة التي أمضاها القرضاوي رهن الاحتجاز، كما لا يلغي التساؤلات بشأن أصل محاكمته والعقوبة التي صدرت بحقه، بينما يثير الانتقال السريع من حكم بالسجن عشر سنوات إلى العفو عنه تساؤلات إضافية بشأن أسباب إصدار العقوبة بهذه القسوة ثم إسقاطها بعد أيام.

هل يمهد العفو لتسليمه إلى مصر؟

لكن العفو لم ينهِ المخاوف المحيطة بالقضية، إذ ينتقل الاهتمام الآن إلى مصير القرضاوي بعد تنفيذ القرار، وما إذا كان سيستعيد حريته ويُسمح له بالمغادرة إلى وجهة آمنة، أم أن إسقاط العقوبة الإماراتية قد يسبق خطوة أخرى تتمثل في تسليمه إلى مصر.

وتزداد هذه المخاوف مع تداول خطاب عبر منابر وشخصيات إعلامية موالية لنظام السيسي خلال الفترة الأخيرة يتحدث عن وجود «صيد» سيصل إلى مصر قريباً، ما أثار تكهنات بشأن هوية الشخص المقصود وإمكانية وجود صلة بين تلك التصريحات وملف القرضاوي.

وحتى الآن، لا يوجد دليل معلن يثبت أن المقصود بهذا الحديث هو عبد الرحمن القرضاوي، كما لا توجد معلومات رسمية تثبت وجود اتفاق إماراتي مصري لتسليمه إلى القاهرة. ولذلك يظل الربط بين الأمرين احتمالاً سياسياً يثير القلق وليس حقيقة يمكن الجزم بها.

لكن هذه المخاوف ليست منفصلة عن تاريخ القضية، إذ سبق لمنظمات حقوقية أن حذرت من تسليم القرضاوي إلى مصر، وطالبت بضمان عدم إعادته إلى بلد قد يواجه فيه خطر الاحتجاز التعسفي أو غيره من الانتهاكات، والسماح له بالتوجه إلى مكان آمن.

ويضع ذلك قرار العفو الإماراتي أمام اختبار يتجاوز الإعلان نفسه؛ فالمعيار لن يكون إسقاط حكم السجن فقط، وإنما ما سيحدث للقرضاوي بعده.

العفو لا يمحو أصل القضية

وقد تحاول السلطات الإماراتية تقديم قرار العفو باعتباره خطوة إيجابية في ملف القرضاوي، إلا أن ذلك لا يمحو المسار الذي سبق القرار، بداية من تسلمه من لبنان واحتجازه، وصولاً إلى محاكمته والحكم عليه بالسجن عشر سنوات.

كما أن الإفراج عن شخص بعد احتجازه ومحاكمته لا يحول الإجراءات السابقة تلقائياً إلى إجراءات عادلة، ولا ينبغي أن يتحول قرار إنهاء العقوبة إلى وسيلة لغسل الصورة الحقوقية للسلطات الإماراتية، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بأصل الملاحقة وظروف المحاكمة قائمة.

وتصبح المسألة أكثر خطورة إذا تبين لاحقاً أن العفو لم يكن نهاية لملاحقة القرضاوي، وإنما مقدمة لنقله إلى مصر، إذ سيعني ذلك أن إسقاط العقوبة في الإمارات لم يمنحه حريته فعلياً، وإنما نقله من مسار قضائي إلى آخر.

ولهذا فإن السؤال المطروح بعد قرار الجمعة لم يعد متعلقاً فقط بسبب العفو بعد ثمانية أيام من حكم بالسجن عشر سنوات، وإنما بما تخطط له السلطات الإماراتية في المرحلة التالية: هل سيخرج عبد الرحمن القرضاوي حراً ويُسمح له بالتوجه إلى مكان آمن، أم أن العفو يمهد لتسليمه إلى نظام السيسي؟

وحتى تتضح وجهته ويظهر فعلياً خارج دائرة الاحتجاز والملاحقة، ستظل المخاوف قائمة، خصوصاً مع غياب أي توضيح رسمي حتى الآن بشأن ما سيحدث له بعد تنفيذ قرار العفو.