بقلم/ محمود الدمنهوري

لم تعد “إسرائيل” التي بُنيت على أسطورة “أرض الميعاد” قادرة على الحفاظ على جاذبيتها، لا لليهود الذين استُجلبوا إليها من أصقاع العالم، ولا حتى لأبنائها الذين وُلدوا ونشأوا فيها.

فالمفارقة الصارخة اليوم أنّ المشروع الصهيوني الذي تأسس على ركائز الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة، يشهد أخطر موجات الهجرة العكسية في تاريخه، بما يهدد بنيانه الديموغرافي والسياسي.

الأرقام المسربة من داخل المؤسسات الإسرائيلية الرسمية، والتقارير الصحافية الغربية، تكشف عن أزمة وجودية حقيقية تضرب الكيان من الداخل، جعلت كثيرين يعلنون بصراحة أنّ “الحلم الإسرائيلي انتهى”.

هجرة معاكسة تكسر التابوهات

منذ عام 2022 ومع عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم بدعم الأحزاب الدينية المتشددة، ارتفعت وتيرة الاستفسارات عن مغادرة “إسرائيل” بشكل غير مسبوق. شركات متخصصة في الهجرة مثل Ocean Relocation أعلنت أنّها تلقت خلال عام 2023 أكبر عدد من الطلبات في تاريخها من إسرائيليين يسعون لترك البلاد. ووفق بيانات رسمية لدائرة الإحصاء المركزية، بلغ عدد الإسرائيليين الذين غادروا ولم يعودوا أكثر من 950 ألفا بنهاية 2023، مقابل عودة نحو 400 ألف فقط، ما يعني أنّ نصف المهاجرين تقريباً طووا صفحة “العودة” نهائيا.

المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه أكد أنّ 700 ألف إسرائيلي غادروا منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 وحدها، واصفاً الأمر بأنّه نزيف بشري خطير تحاول الحكومة التغطية عليه. وحتى القناة الفرنسية “فرانس 24” أشارت في تقريرها الأخير إلى أنّ عدد المغادرين لأول مرة منذ عقود تجاوز عدد الوافدين، في سابقة تهز أساس المشروع الصهيوني القائم على “توازن هجرة إيجابي”.

الأمن المفقود والديموقراطية المنهارة

ما يدفع الإسرائيليين إلى الرحيل ليس فقط صواريخ المقاومة أو هاجس الأمن، بل أيضاً السياسات الداخلية التي أفقدت كثيرين الثقة بالنظام. فالتعديلات القضائية التي طرحها نتنياهو عام 2023 فجّرت أزمات داخلية واحتجاجات واسعة، زادت من شعور العلمانيين والليبراليين بأنّهم محاصرون في دولة تُقاد نحو “ثيوقراطية” تهيمن فيها الأحزاب الحريدية واليمين المتطرف.

الناشط اليساري “مردخاي” الذي غادر مع عائلته إلى اليونان لخّص المأساة بقوله: “لم أعد أؤمن بتغيير الحكومة، أولويتي الآن حماية أطفالي من صور الحرب”. أما الناشطة الحقوقية “نوجا” من منظمة بتسيلم، فقد صرحت بعد انتقالها إلى إيطاليا أنّ “الانتماء إلى إسرائيل بات عبئاً يلاحقنا في الخارج”، مؤكدة أن التعاطف العالمي مع الإسرائيليين يتراجع بشدة بفعل جرائم الحرب في غزة.

انهيار صورة “الدولة الملاذ”

تاريخياً، كان أي نقاش عن مغادرة “إسرائيل” يُعد من المحرّمات، لدرجة أنّ إسحاق رابين وصف المهاجرين منها بـ”الجبناء”. لكن اليوم، باتت الهجرة خياراً جماعياً مطروحاً على الطاولة. إحصائيات موقع “الصوت اليهودي” تظهر أنّ عدد المهاجرين الوافدين إلى “إسرائيل” تراجع من 73 ألفاً في 2022 إلى 11 ألفاً فقط في 2025، وهو انهيار بنسبة تفوق 80%.

صحيفة معاريف حذرت من أنّ هذه الظاهرة “تهدد النسيج الاجتماعي والقوى العاملة”، فيما أشارت جيروزاليم بوست إلى أنّ معدل نمو السكان تراجع إلى 1.1% في 2024 مقارنة بـ1.6% في العام السابق، وهو أدنى مستوى منذ عقود.

هذه المؤشرات تكشف أن “إسرائيل” لم تعد الوجهة الطبيعية لليهود في العالم، حتى مع تزايد موجات معاداة السامية في الغرب، بل إنّ الحرب في غزة جعلت كثيرين ينظرون إليها كمنطقة خطر لا كملاذ آمن.

خسائر في الجيش والمجتمع

الأزمة لم تتوقف عند نزيف الكفاءات والعمالة، بل طالت المؤسسة العسكرية التي تعاني أصلاً من استنزاف في حرب غزة. إذاعة الجيش الإسرائيلي أكدت أنّ هناك نقصاً بنحو 12 ألف جندي، تحاول القيادة تعويضه عبر استقدام متطوعين من الشتات، خصوصاً من فرنسا والولايات المتحدة. غير أنّ محللين، مثل ديفيد ريغوليه روز من المعهد الفرنسي للتحليل الاستراتيجي، اعتبروا أنّ هذه الحلول لا تخفي حقيقة “تآكل الموارد البشرية” وهروب أعداد كبيرة من الخدمة أو التذرع بالإصابة للتهرب من التجنيد.

المسألة إذن ليست مجرد خيار شخصي بالهجرة، بل تحوّل استراتيجي يهدد استمرارية المشروع الصهيوني نفسه، حيث يتراجع الولاء الوطني وتتآكل قناعة الأجيال الجديدة بجدوى البقاء في أرض مضطربة ومكروهة.

فشل خطاب “أرض الميعاد”

أبرز ما يفاقم الأزمة أنّ 54% من الشباب الإسرائيلي يفكرون بالهجرة إذا سنحت لهم الفرصة، وفق استطلاع مؤسسة “راشي” عام 2024. هذه النسبة الصادمة تكشف أن الجيل الجديد لم يعد يرى في “إسرائيل” مستقبله الطبيعي، بل عبئاً يعيق تطلعاته الاقتصادية والاجتماعية.

في المقابل، تحاول حكومة نتنياهو التلويح بورقة “معاداة السامية” لإقناع اليهود في الخارج بالقدوم إلى فلسطين المحتلة، لكن أصواتاً داخل المنظمات الصهيونية نفسها باتت تحذر من أن هذا الخطاب “فقد تأثيره”. فاليهود في الغرب لم يعودوا ينجذبون إلى فكرة “الوطن القومي” بقدر ما يبحثون عن الأمان والاستقرار حيث يعيشون.

المقاومة تُفشل المشروع الصهيوني

في المحصلة، يمكن القول إنّ حرب “طوفان الأقصى” 2023 لم تكن فقط مواجهة عسكرية، بل محطة مفصلية في تفكيك أسطورة “إسرائيل الملاذ”. فقد أظهرت المقاومة الفلسطينية قدرتها على طرد المستوطنين وإفقادهم الشعور بالأمان، ما جعل خيار “العودة إلى الغرب” أقوى من أي وقت مضى.

اليوم، وبينما يهاجر عشرات الآلاف من الإسرائيليين نحو أوروبا والولايات المتحدة واليونان وقبرص، تتراجع قدرة الكيان على استقطاب دماء جديدة. وبهذا، تنقلب المعادلة التي قام عليها المشروع الصهيوني: من استقطاب اليهود حول العالم، إلى طردهم من الداخل بفعل الخوف والانعزال والنبذ الدولي.

إنها لحظة تاريخية تكشف أن “الحلم الإسرائيلي” قد تحوّل إلى كابوس، وأنّ الأرض التي وُصفت بـ”الموعودة” باتت أرضاً منبوذة، يفرّ منها أهلها قبل غيرهم.

اقرأ أيضًا : بيان أممي يعلن المجاعة رسميًا في غزة: جريمة إبادة تحت مرأى العالم