كشف تقرير صادر عن مرصد التعقيد الاقتصادي (OEC) أن الجزائر تحتل المرتبة الرابعة عربيًا من حيث تصدير البضائع إلى إسرائيل، بعد كل من الإمارات، والأردن، ومصر.
وأوضح التقرير أن الجزائر قامت بتصدير منتجات إلى إسرائيل بقيمة 9.77 مليون دولار في عام 2020، قبل أن تسجل ارتفاعًا إضافيًا في 2021، لتصل إلى 14.9 مليون دولار، رغم تصعيد الخطاب الرسمي الجزائري ضد التطبيع، خصوصًا بعد اتفاقيات إبراهيم التي وقعها المغرب مع الاحتلال.
وبحسب التقرير، فإن الصادرات الجزائرية نحو إسرائيل لم تتوقف عن النمو، حيث قفزت لتتجاوز 21 مليون دولار في عام 2022، ما يثير تساؤلات عن مدى تناسق الخطاب الرسمي الجزائري مع الممارسات الفعلية في المجال التجاري.
كما أظهرت بيانات UN Comtrade أن الجزائر صدرت إلى إسرائيل مواد كيماوية عضوية، ومركبات المعادن النادرة، فيما ركزت الصادرات المغربية على المواد الغذائية مثل الخضروات واللحوم والأسماك.

تناقض الخطاب الرسمي مع الموقف الشعبي
يتناقض هذا الواقع مع التصريحات العلنية للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي صرّح مؤخرًا في حوار مع صحيفة لوبينيون الفرنسية، قائلاً إن الجزائر لن تطبّع مع إسرائيل إلا بعد إقامة دولة فلسطينية.
ورغم أن تصريحاته بدت وكأنها تضع شرطًا صارمًا أمام أي خطوة نحو التطبيع، إلا أن المعطيات التجارية تكشف أن العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وإسرائيل قائمة بالفعل منذ سنوات، لكن موقف تبون لا يعكس بالضرورة الموقف الشعبي الجزائري، الذي لطالما كان داعمًا للقضية الفلسطينية ومعاديًا لأي تقارب مع الاحتلال الإسرائيلي.
الجزائر تاريخيًا عُرفت بمساندتها للفلسطينيين، ورفضها العلني لأي شكل من أشكال التطبيع، ما يجعل الكشف عن هذه الأرقام بمثابة ضربة لصورة الجزائر الخارجية، خاصة في ظل استمرار الهجوم الإعلامي الرسمي على الدول المطبعة، واتهامها بالخيانة والتفريط في حقوق الفلسطينيين.
الإمارات.. عرّاب التطبيع وساعي الاحتلال في المنطقة
من ناحية أخرى، لا يمكن فصل هذه التطورات عن الدور الإماراتي في الترويج للتطبيع وإغراء الدول العربية بالانخراط في علاقات تجارية ودبلوماسية مع الاحتلال الإسرائيلي.
فمنذ توقيع اتفاقيات إبراهيم عام 2020، تبنّت أبوظبي دور “عرّاب التطبيع” في المنطقة، حيث عملت على استدراج دول مثل المغرب، والسودان، والبحرين، لدخول دائرة العلاقات الرسمية مع إسرائيل.
الإمارات، التي تتصدر قائمة الدول العربية المصدّرة لإسرائيل، لم تكتفِ بتطبيع علاقاتها، بل أصبحت وكيلًا غير رسمي لدولة الاحتلال، تعمل على إقناع أكبر عدد ممكن من الأنظمة العربية باللحاق بركب التطبيع، وتقديم نفسها كشريك اقتصادي استراتيجي لإسرائيل في المنطقة.
كما عملت على استغلال نفوذها المالي والسياسي في الضغط على بعض الدول، مستخدمة في ذلك صفقات اقتصادية مغرية، وتقديم نفسها كضامن لمصالح هذه الدول في حال انضمت إلى دائرة التطبيع.
الأردن والجسر البري.. دور غير معلن في دعم الاحتلال
أما الأردن، الذي لا يزال يحاول تقديم نفسه كوسيط في القضية الفلسطينية، فقد لعب دورًا رئيسيًا في دعم الاحتلال عبر “الجسر البري” الذي يربط الضفة الغربية بإسرائيل، حيث تحول هذا المعبر إلى شريان اقتصادي حيوي للتجارة الإسرائيلية.
ومع أن الحكومة الأردنية تكرر دعمها العلني للحقوق الفلسطينية، إلا أن الواقع الاقتصادي يكشف عن تعاون متزايد مع الاحتلال، حيث تمرّ البضائع الإسرائيلية إلى دول الخليج عبر الأراضي الأردنية، ما يعزز من نفوذ تل أبيب الاقتصادي في المنطقة.
وبالتزامن مع ذلك، تعززت العلاقات بين النظام الأردني والاحتلال في عدة مجالات، أبرزها صفقة المياه مقابل الطاقة، التي سمحت لإسرائيل بالهيمنة على قطاع المياه الأردني، مما جعل عمّان أكثر ارتباطًا بالمصالح الإسرائيلية، رغم المعارضة الشعبية القوية لهذه الاتفاقيات.
مصر السيسي.. الحليف الخفي للاحتلال
وفي الوقت الذي تتعرض فيه غزة لحصار خانق، يلعب عبد الفتاح السيسي دورًا رئيسيًا في دعم الاحتلال الإسرائيلي، سواء من خلال إحكام السيطرة على معبر رفح، أو عبر توسيع التعاون الأمني والاقتصادي مع تل أبيب.
ومن المفارقات أن وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان صرّح علنًا بأن “السيسي مدين بالفضل لإسرائيل”، مطالبه بتقديم دعم للاحتلال مقابل بقاء السيسي في حكمه.
كما شهدت العلاقات المصرية-الإسرائيلية تطورات اقتصادية غير مسبوقة، خاصة في قطاع الغاز، حيث باتت مصر تستورد الغاز الإسرائيلي ثم تعيد تصديره لدول أخرى، في مشهد يعكس حجم التشابك الاقتصادي بين الجانبين.
ومع كل هذه الحقائق، لا تزال القاهرة تحاول تصوير نفسها كمدافع عن الحقوق الفلسطينية، رغم أنها أصبحت أحد أهم الحلفاء العرب لإسرائيل، وفق التصنيفات الدبلوماسية الدولية.
خاتمة: الجزائر بين الواقع والخطاب الرسمي
في ظل هذا المشهد، تظل الجزائر أمام معضلة سياسية حقيقية؛ فمن جهة، تسوّق نفسها كواحدة من الدول القليلة التي لا تزال ترفض التطبيع، ومن جهة أخرى، تكشف التقارير الدولية أن العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل لم تنقطع، بل إنها في تصاعد مستمر.
هذا التناقض يضع النظام الجزائري في موقف محرج، حيث بات مطالبًا بتفسير كيف تستمر الصادرات إلى إسرائيل بينما يعلن رسميًا رفضه للتطبيع.
وفي حين أن الموقف الشعبي الجزائري يبقى واضحًا في دعم القضية الفلسطينية ورفض أي شكل من أشكال العلاقات مع إسرائيل، فإن التطورات الاقتصادية تشير إلى أن المصالح التجارية قد تتجاوز الاعتبارات السياسية، وهو ما قد يفتح بابًا واسعًا للجدل داخل الجزائر حول مدى مصداقية الموقف الرسمي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
اقرأ أيضًا : ترامب يعلن عن “طريق تجاري دولي” يمر عبر إسرائيل: خيانة عربية جديدة في خدمة واشنطن