في تحوّل لافت يعكس تبدّلًا في موازين القوة جنوب اليمن، تسلّمت قوات موالية للحكومة المعترف بها دوليًا مواقع سيادية في العاصمة المؤقتة عدن، أبرزها القصر الرئاسي، عقب انسحاب عناصر ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي. وجاء ذلك بالتزامن مع وصول طلائع قوات درع الوطن التي تأتمر بأمر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في مؤشر على اقتراب الحكومة من بسط نفوذها على المدينة بعد سنوات من هيمنة المليشيا الانفصالية المدعومة إماراتيًا.

تسلّم القصر الرئاسي تمّ عبر قوات العمالقة بقيادة عبد الرحمن المحرمي، وهو عضو بمجلس القيادة الرئاسي وقيادة الانتقالي في آن، ما يعكس تعقيد المشهد وتشابك الولاءات داخل البنية العسكرية الجنوبية. غير أن القراءة السياسية الأوسع تشير إلى أن ما جرى يتجاوز “تدوير مواقع”، ليؤشر إلى مسار جديد لإعادة ترتيب النفوذ جنوبًا.

تمدّد حكومي من الأطراف إلى المركز

لم يقتصر التحوّل على عدن. فقد رحّبت اللجان الأمنية في محافظتي لحج وأبين بدخول قوات درع الوطن، مبرّرة موقفها بـ“تجنيب المحافظات صراعات تخدم الحوثيين” وبالالتزام بتفاهمات التحالف. وقبل ذلك، أعلنت السلطات المحلية في شبوة النفطية ترحيبها ببيان التحالف الصادر مطلع يناير، والذي شدّد على حماية الاستقرار وعدم إدخال قوات دون تنسيق مع السلطة المحلية. اللافت هنا أنّ علم الجمهورية اليمنية رُفع على مبنى السلطة في شبوة، بعد أن ظلّت أعلام الانتقالي مهيمنة منذ أغسطس/آب 2022، في رسالة رمزية وسياسية عن تراجع مشروع الانفصال.

دور إماراتي خلف الكواليس

هذا التحوّل لا يمكن فصله عن دور الإمارات العربية المتحدة التي مثّلت لسنوات الظهير العسكري والسياسي للمجلس الانتقالي. فالدعم الإماراتي—عبر التمويل والتسليح وبناء التشكيلات خارج مؤسسات الدولة—أسّس لواقع نفوذ انفصالي هشّ، سرعان ما بدأ يتآكل مع تغيّر حسابات الإقليم وعودة المملكة العربية السعودية إلى تثبيت أولوية “وحدة الجبهة” جنوبًا في مواجهة الحوثيين. وبينما تحاول أبوظبي اليوم المناورة لتقليل خسائرها، يبدو أنها تدفع باتجاه إعادة تموضع أدواتها بدل المواجهة المفتوحة، بما يحفظ لها نفوذًا غير مباشر دون صدام مع الرياض.

تحديات وجودية للمليشيا الانفصالية

يرى محللون أن السيطرة العسكرية للانتقالي تراجعت بصورة تهدّد وجوده السياسي. فخسارته الفعلية لنفوذه في حضرموت و**المهرة**، ومعها شبوة وأبين، تقلّصت معها أوراق الضغط التي راكمها خلال الأعوام الماضية. ومع كل تراجع، تتعمّق أزمة الانتقالي بين خطابه الانفصالي ومتطلبات البقاء لاعبًا معترفًا به داخل معادلة الدولة.

سيناريوهات ما بعد التراجع

السيناريو الأول يتمثل في الدفع نحو صيغ فدرالية أو حكم ذاتي للمحافظات، حيث قد تبرز كيانات جهوية تنافس مركز عدن، ما يحوّل الجنوب إلى أقاليم متجاورة المصالح بدل مشروع دولة موحّدة.

السيناريو الثاني هو تسوية سياسية شاملة يندمج فيها الانتقالي داخل مجلس القيادة الرئاسي، ويتخلى عن شعار “فك الارتباط” مقابل مكاسب سياسية واقتصادية وضمان رواتب قواته من الموازنة العامة.

أما السيناريو الثالث—الأكثر خطورة—فيقوم على احتفاظ المليشيا الانفصالية بسلاحها وبنيتها التنظيمية، مع إعادة انتشار في مناطق جبلية وعرة، بما يؤجّل الصدام إلى مرحلة لاحقة إذا فشلت التسويات.

إلى أين يتجه مسار النفوذ؟

الترجيحات تميل إلى تكيّف الانتقالي مع الأمر الواقع، والانخراط—ولو شكليًا—في حوار جنوبي برعاية رئاسية ودعم سعودي، مع السعي للاحتفاظ بنقاط نفوذ محدودة. غير أن هذا المسار يظل هشًا ما لم يُحسم ملف دمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات الدولة، ويُقطع الطريق على التدخلات الخارجية. فالمعادلة الجديدة جنوب اليمن تُرسم اليوم على قاعدة: دولة واحدة وسلاح واحد، وأي مشروع انفصالي مدعوم من الخارج بات عبئًا على الاستقرار، لا ورقة قوة.

اقرأ أيضًا : شرطة الهجرة تقتل امرأة بالرصاص.. وغضب عارم في مينيابوليس