بعد أكثر من ثلاثة أشهر على اختفائه القسري في العاصمة السورية دمشق، لا تزال قضية المعارض الإماراتي جاسم الشامسي تثير قلقًا متصاعدًا في الأوساط الحقوقية والإعلامية، وسط صمت رسمي سوري وإماراتي يفاقم من معاناة أسرته، ويعيد إلى الواجهة ملف الإخفاء القسري كأحد أخطر انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة.

في هذا السياق، جددت زوجته رغدة كيوان مناشدتها للسلطات السورية للكشف عن مكانه وضمان سلامته، بعد انقطاع شبه كامل لأخباره، باستثناء اتصال هاتفي مقتضب لم يتكرر، لم يبدد المخاوف بقدر ما عمّق حالة الغموض.

غياب قسري يضاعف معاناة الأسرة

منذ السادس من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، تعيش أسرة جاسم الشامسي في حالة قلق دائم، بسبب غياب أي معلومات رسمية حول مصيره. فالرجل اختفى داخل الأراضي السورية، دون إعلان عن توقيفه، أو توجيه اتهامات واضحة له، أو السماح لعائلته بمعرفة مكان احتجازه.

وتقول زوجته إن الاتصال الوحيد الذي جرى في نهاية الشهر الماضي لم يكن كافيًا لتبديد مخاوفهم، إذ جاء سريعًا ومقتضبًا، دون أي تفاصيل حول وضعه القانوني أو الصحي. كما لم يُسمح لهم بزيارته، رغم وعود غير رسمية بذلك، لم تُنفذ حتى اليوم.

هذا الغياب القسري، بحسب كيوان، لا يمس فقط حق زوجها في الحرية، بل ينعكس بشكل مباشر على الحالة النفسية لأطفاله، الذين يعيشون على وقع الانتظار والقلق، دون أي إجابات واضحة.

مركز مناصرة المعتقلين وتحذير من انتهاكات جسيمة

في موازاة مناشدات الأسرة، أصدر مركز مناصرة معتقلي الإمارات بيانًا أكد فيه أن عزل الشامسي وحرمانه من التواصل مع أسرته يمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، وخرقًا واضحًا لاتفاقيات حقوق الإنسان، التي تجرّم الإخفاء القسري وتعتبره جريمة مستمرة.

وأشار المركز إلى أن استمرار احتجازه في ظروف غامضة، دون تمكينه من الدفاع عن نفسه أو معرفة وضعه القانوني، يفتح الباب أمام احتمالات التعذيب أو سوء المعاملة، داعيًا إلى تدخل دولي عاجل للكشف عن مصيره وضمان حقوقه الأساسية.

كما شدد البيان على أن السلطات السورية تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية كاملة عن سلامته، طالما أنه موجود داخل أراضيها وتحت سيطرتها.

خلفية سياسية وأمنية معقدة

لا يمكن فصل قضية جاسم الشامسي عن مسيرته السياسية والحقوقية السابقة، التي جعلته هدفًا دائمًا للملاحقات الأمنية. فالرجل كان مساعدًا لوكيل وزارة المالية الإماراتية، قبل أن ينخرط في الحراك الإصلاحي عام 2011، عندما وقّع مع عشرات الأكاديميين والقضاة والناشطين على عريضة تطالب بإصلاحات ديمقراطية.

لكن تلك العريضة قوبلت بحملة اعتقالات واسعة، دفعت كثيرًا من الموقعين، ومن بينهم الشامسي، إلى مغادرة البلاد. وفي عام 2013، أدرج اسمه ضمن ما عُرف بقضية “الإمارات 94″، التي وصفت بأنها أكبر محاكمة سياسية في تاريخ الدولة.

وصدر بحقه حينها حكم غيابي بالسجن 15 عامًا، ضمن سلسلة أحكام اعتبرتها منظمات حقوقية دولية تفتقر إلى معايير المحاكمة العادلة.

من الأحكام الغيابية إلى السجن المؤبد

لم تتوقف الملاحقات عند هذا الحد، إذ عادت السلطات الإماراتية في كانون الأول/ديسمبر 2023 لتوجيه تهم جديدة إلى عشرات سجناء الرأي، تحت مظلة قوانين مكافحة الإرهاب، في خطوة وُصفت بأنها امتداد لسياسة الانتقام السياسي.

وضمت القائمة أسماء معظم المحكومين في قضية “التنظيم السري”، ومن بينهم جاسم الشامسي، رغم وجوده خارج البلاد، حيث صدر بحقه حكم غيابي بالسجن المؤبد.

ويرى مراقبون أن هذه الأحكام المتلاحقة أسهمت في تعقيد وضعه القانوني، وجعلته عرضة لملاحقات عابرة للحدود، خاصة في ظل غياب ضمانات قانونية حقيقية تحمي المعارضين في المنفى.

الإخفاء القسري كسلاح سياسي

تعيد قضية الشامسي تسليط الضوء على ظاهرة الإخفاء القسري في المنطقة، التي تُستخدم أحيانًا كأداة لتصفية الخصوم السياسيين أو إخضاعهم خارج الأطر القضائية التقليدية.

فحرمان المعتقل من التواصل مع عائلته ومحاميه، وغياب أي معلومات رسمية عنه، لا يهدف فقط إلى عزله، بل إلى كسر إرادته النفسية، وإرسال رسالة ردع إلى الآخرين.

وفي السياق السوري، حيث سجلت منظمات حقوقية آلاف حالات الإخفاء القسري خلال السنوات الماضية، تبدو مخاوف الأسرة مضاعفة، في ظل سجل طويل من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز.

صمت رسمي وضغوط دولية محتملة

حتى الآن، لم يصدر أي تعليق رسمي سوري أو إماراتي يوضح مصير جاسم الشامسي، ما يعزز الشكوك حول وجود تفاهمات غير معلنة أو تنسيق أمني في هذا الملف.

ويرى ناشطون أن استمرار الصمت قد يدفع منظمات دولية إلى تصعيد الضغوط، عبر اللجوء إلى آليات الأمم المتحدة الخاصة بالاختفاء القسري، أو إثارة القضية في المحافل الحقوقية الدولية.

بالنسبة لزوجته وأسرته، لم يعد المطلب يتجاوز الحد الأدنى من الإنسانية: معرفة مكانه، الاطمئنان على سلامته، وتمكينه من التواصل معهم. لكن في ظل الواقع السياسي والأمني المعقد، يبقى هذا المطلب البسيط مؤجلًا، بانتظار إرادة سياسية غائبة، وعدالة لم تتحقق بعد.

اقرأ أيضًا : السعودية تُدين هجمات ميليشيا الدعم السريع الإماراتية وتُحذّر من تدخلات السلاح والمرتزقة في السودان